|
موجز أخطاء العالم
عدنان الصائغ
في هذا الصقيع النائي من أطراف العالم
حط على نافذتي طائر
حمل لي بأحد جناحيه " موجز الأخطاء " لعبد الرزاق الربيعي ، وبالآخر
حمل لي " طبقات التعساء " لأحمد الدوسري و .. قبلهما بعامين حمل لي "
كتاب الآثام " لسعدية مفرح
ما بالهم أصدقائي ، هؤلاء الشعراء الرائعون ، مولعون بتدوين الألم فإذ
ينشغل المؤرخون بأحداث التاريخ ، والسياسيون بالأيديولوجيات والأنظمة
والكراسي ، والإعلاميون بنشرات الأخبار والطقس ، والاقتصاديون برأس
المال ، والفلاسفة برأس الحكمة و.. و.. و .. وحدهم الشعراء المهووسون
بالحياة والدهشة والصدق ، يخرجون من الكتب والشاشات والنظريات ،
وينسلون إلى شرايين الناس ، يصغون إلى نبضهم ، ويكتبون بالدم الحار ما
سمعوه من ترانيم الروح ، بلغة تأخذ من النبض دفقه ومن الحلم شفافيته
ومن الحياة أساطيرها وجنونها ومن العصر حداثته .
وما عدا ذلك فهو مجرد حشو في لثة الكلام المنخور .
* * *
* * *
عبد الرزاق الربيعي هذا الشاعر الطفل تعلمت منه الكثير في الشعر
والحياة والحب . وعلى الرغم من أنه يصغرني بخمس أو ست سنوات إلا أنني
كثيرا ً ما أراه يتحول أمامي فجأة إلى كهل حكيم عرك الحياة بأضراسه
ورضي من الغنيمة بالإياب كما فعل جده الجاهلي امرؤ القيس ، لكنه حين
يقرر ذلك ينتفض في داخله الطفل المشاكس الذي يريد أن يركل الكرة
الأرضية بقدميه ككرة مطاطية . ثم يبكي لأنه لا يستطيع اللحاق بها
وإمساكها .
ما أشد ولعه بالقصيدة .
ما أشد ولعه بالحياة .
وما أشد عناد الكرة .
* * *
مرة قال الناقد الفيلسوف مدني صالح لصديقي عبد الرزاق الربيعي وهما
يتمشيان في أروقة كلية الآداب ذات صباح بغدادي مطعم بشهوة الأمل
والخيبات والكتب والقنابل :
- الشاعر الكبير مندحر كبير
......................
بعد سنوات كنا نقرأ معا ً الجملة الخطيرة التي قالها ماركيز ، ونحن
نضحك على أولئك الذين تصوروا أن الكاتب سيترك الكتابة حين يخسر الرهان
. كان ماركيز قد تراهن مع مجموعة من أصدقائه على أن دكتاتور بلده سيسقط
نهاية العام وأنه سيترك الكتابة للأبد إذا خسر رهانه معهم .
لكن العام مر
وظل الطاغية
وحين طالب الأصدقاء ماركيز بأن يتوقف عن الكتابة أجابهم ضاحكا ً :
- ما الكاتب إلا سلسلة من الرهانات الخاسرة
* * *
للشعراء طبقاتهم كما صنفها ابن سلام الجمحي وابن المعتز و الخ ...
وللمتصوفة طبقاتهم كما صنفها ابن أبي أصيبعه . وللمفسرين طبقاتهم
وللسياسيين وللفنانين وللتجار و الخ و الخ
فلماذا لا تكون للتعساء طبقاتهم ؟
حسنا ً .. يا أحمد الدوسري ، حين تركت لابن خربة أن يؤرشف طبقاتهم ،
فراح يدون بالكدمات هذا الصهيل الشرس الذي حاولت السياط مسحه عن ملايين
الأفواه المنسية هناك ، لقد " كتب سيرتنا جميعا ً ـ كما قال د. عبد
العزيز المقالح ـ نحن أبناء هذه الأمة الآيلة إلى الخراب ".
ها أنا عبر المطر والمخافر والمطارات أسمعك ، عفوا ً، أسمعه يئن :
" فككوا عينيه إلى :
البياض ... طلوا به دباباتهم
السواد ... ليقال من أرض السواد
والدمع ... لناء نهر ثالث "
فيجيب الربيعي " حفيد السندباد " من منفاه :
" حين إهترأت ألواح سفينتنا
وأسوّد الأفق ُ
لملمنا أدمعنا ورسائل من غرقوا
وتساءلنا :
أنزلنا بلدانا ً ؟
أم أشعلنا في الليل مواقدنا
فوق ظهور الحيتان "
* * *
يربكني الحديث عن الشعراء الذين أحبهم
فالذكريات تتداخل ، والحديث يتشعب
وقد يطغى ذلك على النص
الذي هو الجمرة
وكل ما عداه رماد
أرسل لي الدوسري من جنيف ديوانه الجديد " طبقات التعساء"
موقعا ً بإهدائه الجميل
ومعه ديوان صديقنا الربيعي " موجز الأخطاء " موقعا ً بإهدائه أيضا ً
نيابة عن الربيعي المقيم في مسقط .
كم تباعدنا النافي ، وكم يقربنا الشعر
* * *
هذه النيابة بالإهداءات ذكرتني بديواني " تكوينات " الذي صدر في عمان
عام 1996 . حين حال البعض دون وصوله لي ، برغم عشرات الرسائل التي
كتبتها لهم من بيروت ولوليو ( يا إلهي ماذا تفعل " الصغائر " بالصغار )
بعد شهور وكنت في جنوب القطب الشمالي جاءني طرد من اليمن ففتحته وإذا
به ديواني أرسله لي صديقي عبد الرزاق الربيعي موقعا ً بإهدائه وهو يقول
: عزيزي عدنان ، أهدي إليك كتابك ، لا تفعل بهذا الكتاب ما كنت ناويا ً
عليه إكراما ً لي . أرجوك. عبد الرزاق الربيعي 14/12/1996.
ما أمر المفارقة وما أجملها
لكن حياتنا ـ نحن الشعراء المنفيين ـ إلا "سلسلة من المفارقات "
وكما تقول شاعرتنا مفرح :
" فنفي لأني ، ثم نفي لأنني تعددت الأسباب والنفي واحدُ
بذا قضت الأوطان ما بين أهلها مصائبنا عند القضاة فوائد ُ"
حقوق النسخ © بواسطة .::.كلكامش.::.
جميع الحقوق محفوظة.
- رجوع -
|