الى رشا فاضل مديرة موقع كلكامش المبهج

 

حيـــــرة

احتفاءً بعَبدِ الرَزّاق الرُبَيعي

موجز اخطاء العالم

من الحدائق المعلّقة الى الجنائز المعلّقة

الغربة هاجسا ً شعرياً

توضأنا بعشق الاختلاف

 

عصرية في مرحاض بعيد

عبـــر الاثيــــــر

 

  

 

 

 

القصيدة الحديثة والأغنية الفيروزية

                                                                       

د. أحمد جار الله ياسين

 

من بين جميع المغنين العرب ، استطاعت الفنانة المبدعة فيروز وأغانيها اختراق الطابع الأرستقراطي للقصيدة الحديثة ، والتداخل في نسيج بنيتها الشعرية بأشكال عديدة ، ذلك الطابع الذي لا مفر من الاعتراف بوجوده في النص الحديث والذي يجعل النص متعاليا بلغته عن لغة الواقع ونخبويا في سياسة انتقاء متلقيه ، على الرغم من دعاوى انفتاحه عل الحياة اليومية ولغتها وعلى الفنون الأخرى ومنها الغناء الذي يتوجس الشعر الحديث كثيرا من التداخل معه ، لأنه من أكثر الفنون تداولا في رصيد تلقي الفنون لدى الجمهور ،فضلا عن هيمنتة اللهجة العامية على معظم الأغاني مما يسهل تلقيها وذيوعها بين الجمهور ، ويجعلها أقرب إلى المباشرة في توصيل رسالتها ويؤدي سريعا إلى ضمور مجازاتها البسيطة وتراجع وظيفتها الشعرية التي تعد مصب اهتمام القصيدة الحديثة .

إن الإفادة من الطاقات الكامنة في الأغنية مع الأخذ بنظر الاعتبار التوصيفات السابقة لطبيعة العلاقة الحذرة من جانب الشعر الحديث معها تشكل مغامرة تجريبية خطيرة يتوقف نجاحها على توفر عوامل عديدة أهمها امتلاك هذا التجريب المبررات الفنية المسوغة للعمل به والتي تهبها الشرعية احتياجات النص السياقية ونداءات التجربة الداخلية ، لا الرغبة بالتجريب والمغايرة فحسب نتيجة حوافز وهمية أو آنية

والأغنية بألحانها وصوت مغنيها ،تضيف لإيقاعات النص الشعري أبعادا إيقاعية أخرى ولكنها أبعاد مستدعاة بالإيحاء ،لا بالحضور الفعلي الحقيقي لصوت الموسيقى أو المغني ومن هنا فإن الصوت الغنائي كلما كان متميزا ومتفردا ومؤثرا فإن مهمة استدعائه في الذاكرة لحظة القراءة ستكون أسرع وأسهل ، ونحسب أن ليس هناك أفضل من صوت فيروز اكتسابا  لتلك الخصائص التي بإمكانها أن تفرزه من بين عشرات الأصوات الغنائية الأخرى المتقاربة في اللحن والأداء فضلا عما يصاحب هذا الصوت من ألحان متميزة وهاتان الخصيصتان :الصوت ،اللحن بتفردهما ارتفعا بمستوى الأغاني الفيروزية عن السائد المبتذل من الأغاني والأصوات ومن ثم كونا إن صح الوصف أرستقراطيتها التي تتصنع نوعا ما على إرضاء الأذواق الشعبية البحتة ،على الرغم من اللهجة العامية (اللبنانية ) الغالبة على معظم تلك الأغاني .

ومن القصائد الحديثة التي استلهمت الأغنية الفيروزية ، قصيدة "زعل " للشاعر العراقي عبد الرزاق الربيعي من مجموعته (حدادا على ما تبقى /1992)والقصيدة توظف أغنية "زعلي طول" لفيروز :

1- " زعلي طول "

       همست ْ فيروزة ُ إصباحي

       حاولت أغير ُ موجة َ قلبي

        لكن َ الموجة َ

            كانت أطول

2- " زعلي طول "

      كل َ صباح ٍ

      أقطف ُ وردة َ شوق ٍ

      وفق مقاييس ِ أصابعها

      كل مساء ٍ

      كفي عاطلة ٌ

      والوردة ُ أذبلْ

3- " زعلي طول "

        يوميا أغلق بابا ً

        من أبواب ِ خصومتنا

        أرفع سماعة َ هاتفها الملكية ِ

        أسمع ُ صوت تنفس ِ وردتها

        دقة َ قلب ِ جلالتها

        لكني .........

        لما أعبر للباب التالي

        يفتتح الأول ْ

4-   يا ربي........

        مَن ْ ورط َ قلبي؟

        مَنْ حسد َ الشمس َ بباحة عمري ؟

        مَن ْ عكر َ سقسقة َ الجدول ْ؟

       جربت ُ الكر َ أمام قلاع ِ أنوثتها

       حشدت ُجحافل َ أوجاعي

       لكن َ بصدري

        قلبا ً اعزل ْ

5- " زعلي طول ْ"

      حاولت ُ أقصر ُثوب َ الزعل الفضفاض ِ

       فأضحى أطول

       لكن .......

       والعهدة ُ – يا فيروز – على قلبي

       أعذب من قبل

       وأجمل ْ

تنبني حركة النص على استراتيجية يمكن تشبيهها بالموجة ، إذ يغدو بموجبها كل مقطع عبارة عن موجة ترتفع حتى تصل الذروة لتنحسر فيما بعد دون الوصول إلى هذه المرأة  التي تلوح بسيطة ، لكنها في الحقيقة على العكس من ذلك ، ترقى باستحالة الوصول إليها أو التواصل معها في نهاية كل مقطع إلى مصاف المرأة المثال .. الملكة التي يحول دون الوصول إليها : الزعل /هاتفها الملكي/ الأبواب /قلاع أنوثتها ...

يأخذ الشاعر بيد القارئ كل حين ، ليعده بمفارقة ما ، لا يدري القارئ كنهها ،تبدأ تباشيرها مع كل مقطع هو بمثابة موجة ترتفع حتى تصل ذروتها على حافة الاستدراك بـ "لكن " لتنزلق وتوقعات القارئ على وجه السرعة وهي مخالفة على الأغلب لوعود النص التي جاءت مخادعة بلبوسها المجازي الذي يشف بشعرية متقدة عن عذوبة هذه العلاقة بغض النظر عن نتائجها التي تبدو بمحورها الإشكالي (الزعل) ووقعه في نفس الشاعر ـ (أعذب من قبل وأجمل )

لقد كان للتكريس الإعلامي العربي ، والعراقي منه بشكل خاص ، المنظم لأغاني فيروز الجميلة والذي تحول بمرور الزمن إلى تقاليد إعلامية ثابته من حيث التوقيت الزمني ن ومن ثم متوقعة لدى الجمهور دور في ترسيخ أجواء خاصة ، يمكن وصفها بـ(الفيروزية)، ومن تلك التقاليد تغليب البث الإذاعي (السماعي ) على البصري (التلفازي ) نظرا للحضور الصوتي الجذاب والمؤثر بحد ذاته دون المؤثرات التصويرية لهذه الفنانة المبدعة ،فضلا عن اختيار التوقيت الصباحي المنظم لهذا البث ، وعبر سنوات عديدة ..

ولذلك كله يلتفت الشاعر عبد الرزاق الربيعي إلى هذه التقاليد اليومية والتي تهددها آفة التعويد ،ليؤسلبها في سياق شعري ويمنحها حياة جديدة عبر التداخل المموه شعريا للأغنية (زعلي طوّل) بنسيج نصه الشعري :

" زعلي طول "

همست ْ فيروزة ُ إصباحي

حاولت أغير ُ موجة َ قلبي

لكن َ الموجة َ

كانت أطول

كذلك يحول الشاعر في القصيدة ،اسم فيروز ذي المرجعية الدالة على المطربة ، مرة إلى توصيف خاص يكثف جماليات الحبيبة (فيروزة إصباحي) ومرة أخرى يحوله إلى دال تلقيبي محبب تنادى به هذه الحبيبة (يا فيروزه )

فضلا عن عنونة النص نفسه بدال (زعل ) الذي يشير إلى الصلة العلائقية بين الأغنية والقصيدة في محاولة منه لطرح مفتاح أمام القارئ ، وفك مغاليقه باستحضار الأغنية التي يمكنها أن تضيء النص .

وتتحول الجملة الغنائية (زعلي طول ) في هذه القصيدة إلى لازمة إيقاعية تتكرر في أربعة مقاطع من مقاطع القصيدة الخمسة هذه اللازمة التي تجيء في النص مشحونة بحمولتها الأصلية الموحى بها (صوت فيروز +اللحن الموسيقي) فضلا عن حمولتها الجديدة (صوت الشاعر +إيقاع الخبب)

 

  

 


 


  
مكتــبة كلـكامـش

 

.: مواقع صديقة :.





 

 

 

لقاءات اذاعية وتلفزيونية

نصوص مهداة للشاعر

البوم الذاكرة

أبصر( الحجاج ) ببدلته الزيتونية

خطى كلكامش

خواطر عن عبد الرزاق الربيعي

عبد الرزاق الربيعي...نسمة باردة في صيف عراقي

عبد الرزاق الربيعي .. الشجن في ثياب التجلي

شادي في ثلج فيروز


نكهة الوجع العراقي