ألشعر عندما يعود للشاعر
2005/04/29
حسن النواب
ما هي القصيدة.. دوما أراها مثل فتاة قروية متلفعة ببرقع
الأنوثة الطاهرة والتي لا يراها سوي السحرة والمجانين بالملاك
..وهي تغرف الماء لجرتها من نهر يغازلها بصمت.. وتغازله بهمس..
هذه هي القصيدة.. راودني هذا التأمل الغريب الذي تحسبونه نافرا
ربما.. ساعة قراءتي لقصيدة الشاعر عبد الرزاق الربيعي.. (عندما
تعود الي الوطن)ہہ،
والقصيدة من سطرها الأول تعلن عن شعرية حبيسة ظهرت الآن بهذه
الفتاة القروية البتول.. أعني القصيدة.. لا أكتم القاريء.. أن
تدوين هذا الشاعر أتابعه ان كان من وجهة نظري غثاً أو سميناً..
ذلك.. أن تطور الشاعرية لدي شاعر من أترابي تقلقني جدا.. وكم
تجدني أترقب القصيدة التي تجرح ذائقتي منهم.. وها هي تلذعني
اليوم.. تلذع حساسية الشعر عندي.. وتلك بحاجة الي تريث جليل
حتي نقرأ مقطعها الأول.. حيث يقول ..
عندما تعود الي الوطن
لا توجه وجهك
صوب البيوت
والمدن والحدائق
اعط وجهك المقبرة
هناك
هناك
ستجد الكثيرين
ممن تود أن تري
ويودون أن يروك
ولو من تحت
تراب الذكريات
ما أسهل التدوين هنا.. وما أصعب الشعر فيه.. يبدو الشعر هنا
طيعا منسابا.. كما لوكان كل واحد منا يستطيع كتابته.. لكن
لماذا لم نكتبه نحن وكتبه هذا الشاعر؟.. شعر كبير بكلام سهل..
ما أصعب ذلك علي الشعراء الأقحاح.. ما أصعبه.. أقول.. لن اكون
هنا بمنزلة الرقيب.. لكن أسال الشاعر نفسه كم من القصائد كتبت
بالآونة الأخيرة.. ربما كثر.. ولكن أما راودك الهاجس الشعري
بأنك تجتهد حتي تكرر نفسك بكل قصيدة.. نعم كتبت قصائد حاره
لكنها سرعان ماتبرد كرغيف خرج من تنور لكن بموسم شتاء.. لا
أدري لماذا وجدت بهذه القصيدة.. انقلابا جذريا بطريقة ما تكتب
من شعر.. ذلك أن القصيدة هذه تسلبنا ذائقتنا قبل أن نسلب
بكارتها.. ولعمري هذا هو الشعر.. ربما تبدو عند البعض هذه
المدونة الشعرية المليئة بالشجن مجرد تداعيات من شاعر خبر
الكتابة الشعرية.. فلا أجد من جواب سوي.. انظروا لما يرسب في
ذاكرتنا ونحن ننهي مقطعها الأول.. أن الخطاب الشعري بها يأخذ
منحي الشمول.. وقد مس كل من يقرأها ذلك أن مدخلها يشي ببراعة
جنيّة الشعر التي حطـّت هذه المرة بطريقة صحيحة بروح الشاعر..
والبرهان.. أن كلامها يمسنا جميعا.. أبرياء وقتلي ومظلومين..
ذلك المقطع الشعري الذي استثني بحواسنا فقط القتلة منهم.. وتلك
فضيلة الشعر أن يهمس كما الماء لنا لكنه يضرب سوطه علي أعناق
الطغاة بعنف.. نعم هو مدخل قصيدة كبير لشاعر أدرك قوته حتما
وهو يسيل من قلمه علي بياض الورقة. ولذا كانت غبطتي كبري
والشعر صارت تعاد له العافية التي افتقدت منا منذ زمن.. وأعني
هذه القصيدة.. وقربان أحمد عبد الحسين.. وقصائد ماجد عدام التي
نشرها بموقع كيكا.. كما أن فرحي بهذه القصيدة يتأتي من سبب
ربما يجهله صديقي الشاعر.. ألا وهو.. ايجاد روحه لنفس شعري و
درب بكر لتدوين الألم بكتابة جديدة له علي اقل تقدير.. ولأن
الشاعر وجد طريقه معبّدا صار يحلق به كيفما يشاء.. وذلك من حقه
مادام وجد البوابة الشعرية التي يلج منها بهذا المنلوغ
المثير.. هو لا ينسي ولكن علي استيحاء يخبرنا بغزاة البلاد..
حين يصورهم بالحشرات.. وتلك مثلبة تسجل ضده فالشاعر تعوزه
الجرأة والكشف وربما أظلمه.. فهو يتخذ هذا المنحي بمحاولة منه
لقتل كل كلام مباشر بالقصيدة.. بيد أن القصيدة مباشرة وتلك أهم
حسنة فيها.. وأقول لكم وله كيف.. لقد جلس الشاعر أمام الورقة
وكتب مثل تلميذ في الصف الأول الأبتدائي قصيدته.. ولذا جاءت
مشعة ببراءته وصدقه.. وخبرته أيضا.. لا حظوا ذلك بهذا المقطع.
عندما تعود الي الوطن
لا تعد بجسدك كله
لكي لا تخطفه موجة سوداء
بل أترك روحك
تذهب وحدها
الي هناك لكي لا تفقدها للأبد
في وطن
أراد أن يتحرر.....
الشاعر يريد التخلص من مباشرة الألم لكنه يري نفسه محاصرة به..
ولذا ليس عجبا أن نراه يقول (في وطن أراد أن يتحرر) هل أقول أن
ابجدية الشعر لم تسعفه بهذه اللحظة.. أقول لا.. فالشاعر أراد
أن يعلن موقفه هذه المرة بشجاعة أكبر.. حيث أن تصاعد النقمة
يأتي بشكل هارموني مع تصاعد وجع القصيدة بلجة روحه.. ومثل أي
ملعون بالشعر يختم قصيدته بهذا المقطع الجميل الموخز للروح ومن
أقصي شعفة بها ..
في وطن أراد أن يتحرر.....
...........
وأرادوا أن يحرروا له
شهادة وفاة ..
تري هل ظل من الكلام ما يسعف دمنا الذي يصيح كل شهقة يابلاد..
أجل نجح عبد الرزاق الربيعي.. بنزف دم شعري لا تخذله العين ولا
الذائقة ولا حتي الأبكم أو البصير. بل حتي الأصم.. يهجسها من
نغيطها المتواتر والمثير ... أجل ..هذا هو الشعر ..
شاعر عراقي مقيم في أستراليا.
الانطباع هو عن قصيدة للشاعر عبد الرزاق الربيعي ( عندما تعود
الي الوطن ) التي نشرتها جريدة القدس العربي .
0
ا