حين ينسل الشاعر إلى
الطفولة
قراءة في شعر عبد الرزاق الربيعي
للأطفال
د. علي
حداد
عبد
الرزاق
الربيعي
شاعر
متدفق
،
منشغل
بالشعر،
ومسكون
بهواجسه
ويمثل
هذا
الشاعر
جيلا
جديدا،
كتب
للأطفال
بوعي
مختلف
واهتمامات
فنية
مغايرة
.
مستندا
في
ذلك
إلى
مجموعة
من
الاستجابات
الذاتية
لقيم
أسس
عليها
قصيدته
.
فقد
أتيح
للربيعي
الإطلاع
على
منجزات
شعر
الأطفال
العربي
الذي
تكاملت
آفاقه
ومضامينه
،
وهو
يسلك
في
الزمان
لأكثر
من
مائة
عام
،
ولعله
توقف
طويلا
،
ليتأمل
ما
تحقق
في
المراحل
السابقة
،
وقرأ
تلك
الدراسات
الموضوعية
عنه
،
وهي
تشخص
منافذ
التعبير
في
ذلك
المنجز
الشعري
النبيل
،
وتستجلي
نجاحاته
وتؤشر
سلبياته
.
وأتيح
له
أن
يقرأ
ما
يقع
بين
يديه
من
ترجمات
للأدب
الغربي
شعرا
وقصة
.
ولا
يمكن
إغفال
القراءات
الضرورية
التي
تواصل
من
خلالها
مع
مستجدات
العلوم
التربوية
والنفسية
التي
تهتم
بالطفل
وما
يندس
منها
في
رسم
خصائص
شخصيته
.
وكان
سعي
الشاعر
واضحا
للاستفادة
ـ
المؤسسة
على
موهبة
شعرية
بينة
ـ
من
منجزات
القصيدة
الحديثة
،
بأفق
من
الوضوح
والبساطة
والجمال،
والاقتراب
حد
الالتصاق
بعالم
الطفولة
،
وتمثله
وعيا
وسياقا
شعوريا
،
وطرائق
من
التعبير
الإنساني
.
ولعلنا
قادرين
على
أن
نلحق
بذلك
خصوصيات
ما
تحقق
للربيعي
على
صعيد
التجربة
العملية
من
خلال
اشتغاله
لفترة
ليست
بالقصيرة
في(دار
ثقافة
الأطفال)
في
العراق،
ومشاركته
في
الكتابة
والنشر
في
مجلة(مجلتي)
وصحيفة
(
المزمار)
التي
كانت
تصدر
عن
تلك
الدار
،
فضلا
عن
سلسلة
من
الإصدارات
الشعرية
والقصصية
العربية
والمترجمة
.
وقد
صدر
للربيعي
ضمنها
ديواناه:(وطن
جميل)
و(
نجمة
الليالي
)
،
فضلا
عن
عشرات
القصص
والحكايات
والكتابات
المختلفة.
ويقول
الشاعر
إن
لطفولته
،
ولنشأته
في
بيئة
شعبية
أثرا
في
اهتماماته
المبكرة
بالكتابة
للأطفال
،
حيث
تشكل
الحكاية
والترانيم
الغنائية
بعض
ما
يحاول
الطفل
إشغال
مدركاته
المتفتحة
به
،
والاستعاضة
عن
افتقاده
لما
يلبي
رغباته
من
وسائل
التثقيف
الجاد
.
فيجد
في
اللعب
والأناشيد
والحكايات
ـ
التي
ربما
قام
الطفل
نفسه
،
كما
كان
يفعل
الربيعي
،
بإجتراحها
.
وصنعها
على
وفق
ما
يتهيأ
له
من
قدرات
تخيليه
ـ
مجالا
لملأ
احتياجاته
.
وربما
للتدليل
على
قدراته
في
محاكاة
ما
يواجهه
من
حكايات
الكبار
وأشعارهم
وأغانيهم
.
وكغيره
من
الشعراء
المتميزين
الذين
كتبوا
للأطفال
،
فإن
الربيعي
يكتب
للكبار
أيضا
وبقدرات
إبداعية
عالية
تؤهله
لإنجاز
مشروع
شعري
حقيقي
.
وقد
سألته
مرة
عن
رؤيته
في
صنع
هذين
المسارين
المتباعدين
للقصيدة
،
كما
يتصورهما
كثيرون
فكتب
يقول
: "
إن
الطفولة
والشعر
توأم
لا
يمكن
أن
ينفصل
أحدهما
عن
الآخر
فهما
يخرجان
من
رحم
واحد
هو
الدهشة
في
النظر
إلى
العالم
الخارجي
".
وعن
خصوصية
تجربته
في
ذلك
يقول
: "
في
البدء
واجهت
صعوبة
بالطبع
،
لأن
غاية
شاعر
الأطفال
هو
تبسيط
الأشياء
،
بينما
تحتاج
الكتابة
للكبار
إلى
تشكيل
رؤيا
،
وبهذا
فهي
تعقيد
للبسيط...وكنت
كلما
أخذتني
الطفولة
أتفرغ
تماما
لكتابة
بعض
نصوص
،
ثم
أعود
إلى
الكتابة
للكبار
،
التي
أبث
فيها
طفولتي
أيضا
،ولهذا
فالقصائد
التي
كتبتها
للكبار
عي
قصائد
طفولة
أيضا
" .
ومع
ما
تحمله
هذه
الإجابة
من
تبرير
للمسألة
،
فإنها
تبقى
بالنسبة
للشاعر
نوعا
من
المخاطبة
الجدلية
لأولئك
الذين
لا
يرتضون
للشاعر
الجيد
أن
يتجه
بشاعريته
إلى
ما
يظنونه
هبوطا
في
مستواها
حين
يكتب
للأطفال
وقد
واجه
الربيعي
بعضا
من
ذلك
الظن
.
وربما
أمكننا
هنا
أن
نلحق
بما
ذكرناه
عن
توجهات
الشاعر
لكتابة
أدب
الطفل
ـ
الشعر
خاصة
ـ
إلتفاتة
ذكية
منه
لواقع
هذا
الشعر
وإهماله
من
قبل
الكثير
من
المبدعين
المعاصرين.
فكأن
الربيعي
ـ
وهو
يواصل
كتبة
شعر
الأطفال
،
في
ذات
الوقت
الذي
يكتب
فيه
للكبار
ـ
يسعى
إلى
ملء
الفراغ
،
أو
إلى
وضع
هذا
الشعر
في
مساحة
الانتباه
مرة
أخرى
،
مثلما
سعى
معظم
الشعراء
الذين
سبقوه
.
نشر
الربيعي
بعد
ديوانيه
اللذين
مر
ذكرهما
عددا
كبيرا
من
القصائد
في
صحف
ومجلات
تصدر
في
العراق
وفي
الأقطار
العربية
الأخرى
.
وقد
توقفنا
عند
ثلاثين
قصيدة
للأطفال
،
لنجعلها
مرتكزا
لدراستنا
شعره
،
وتحديد
بعض
خصائصه
فوجدناه
يستخدم
الطبيعة
بمظاهرها
وأشيائها
لتكون
حاضنة
الموضوع
الشعري
،
وأفق
تشكله
فكرة
وسياق
تعبير
،
وهو
ما
قامت
عليه
أكثر
من
عشرين
قصيدة
وبصور
دلالية
متعددة.
فقد
تحدثت
بعض
تلك
القصائد
عن
القمر
،
النجوم
،
المطر
،
الزهور
،
الشمس
،
الحقول
،
البحر
.
وجاءت
أخرى
لتتحدث
عن
علاقة
الطفل
بالحيوانات
:
القط
،
الفأر
،
العصافير
،
الفراشات
،
الحمام
،
البلابل
.
في
حين
شغلت
القصائد
الباقية
بموضوعات
وطنية
وتعليمية
،
وحكايات
ذات
دلالات
تربوية
واضحة
.
وتقوم
القصائد
على
بنية
غير
معقدة
،
من
خلال
تمثلها
لفكرة
واحدة
تتحدث
عنها
أو
تعيشها
شخصية
أو
مظهر
من
مظاهر
الطبيعة
،
أو
تنطق
بلسانها
.
ففي
القصائد
التي
تحدثت
عن
الحيوانات،
تجسد
المضمون
من
خلال
حديث
واحد
من
تلك
الحيوانات
الأليفة
التي
يميل
الطفل
إلى
اللعب
معها
أو
محادثتها
.
ونلاحظ
أن
الشاعر
غالبا
ما
يختار
المخلوقات
ذات
الشكل
الجمالي
المحبب
كالفراشات،
والزهور
،
ويداخل
بينها
وبين
شخصية
الطفل
وصوته
.
فراشات
فراشات
قلوبنا
فراشات
ضحكتنا
فراشات
وكل
ما
في
وطني
من
نرجس
وسوسن
ِ
يرقص
كالفراشات
يضحك
كالفراشات
جميلة
مثل
الفرح
كأنها
قوس
قزح
تغفو
على
أجفانها
الصباحات
أو
يجعل
القصيدة
مناجاة
يقوم
بها
الطفل
مع
مظهر
من
مظاهر
الطبيعة
،
كالشمس
والقمر
والنجوم
:
يا
نجمة
...
تسكن
في
الأعالي
ترقص
في
دلال
ِ
تلعب
فوق
سطحنا
وتنثر
اللآلي
يا
نجمة
ملأت
من
ضيائها
سلالي
يا
نجمة
الليالي
حين
تمرين
بنا
تمهلي
فبابنا
فتحته
وبيتنا
فرشته
والسلم
الطويل
منذ
ساعة
نظفته
لتنزلي
وتشربي
وتأكلي
ثم
تعودين
إلى
الأعالي
وربما
خلق
حالة
من
التداخل
بين
الطفل
والطبيعة
والحيوان
:
جاء
المطر
جاء
المطر
وقطتي
تركتها
تلعب
في
الحديقة
جاء
المطر
ولعبتي
نسيتها
تمرح
في
أرجوحتي
وليست
القصيدة
نمطا
ً
من
الحكاية
التي
تجري
على
ألسنة
تلك
المخلوقات
،
لتعكس
سياقا
سرديا
أو
تقدم
خبرة
أو
موعظة
،
إنها
تتدفق
مباشرة
،
لتخاطب
الطفل
وتملأ
أفق
اهتماماته
.ومن
هنا
اختفى
غالبا
السياق
السردي
،
وتوقفت
القصيدة
عند
لحظة
معينة
تتداول
مجراها
الحكائي
:
فراشة
كسلى
حطت
على
ورده
فقبلت
عيونها
ووشوشت
في
أذنها
وصيرت
أوراقها
مخده
ثم
غفت...
تحلم
بالرحيق
ِ
قالت
لها
:
أفيقي
من
نومك
العميق
ِ
ورفرفي
وطيري
في
الوطن
الكبير
ِ
ولا
تبتعد
القصيدة
ـ
وهي
تأتي
حوارا
منسجما
وحميما
بين
الطفل
والطبيعة
ـ
عن
تبني
الغايات
التربوية
والسلوكية
التي
لا
بد
لأي
شاعر
من
أن
يضعها
منطلقا
لشعره
،
ولكن
هذه
الغايات
لا
تأتي
بطرائق
تعبيرية
مباشرة
.
إنها
تمارس
فاعليتها
من
خلال
صيغ
من
التواصل
مع
ذوق
الطفل
وميوله
الحركية
والسعي
إلى
منحه
لحظة
سعادة
.
وتنطلق
بعض
تلك
القصائد
من
تناول
لموضوعات
وطنية
،
بلغة
الطفل
وأساليب
تجسيده
لسياقاتها
الدلالية
،
وهو
ما
تمثلته
قصائده
عن
:
الوطن
العربي
،
الشهيد
،
الحرب
،
حب
الوطن
.
وربما
كانت
قصيدته
(
نداء
إلى
ميكي
ماوس
)ـ
التي
تتحدث
عن
الحصار
الذي
يتعرض
له
العراق
ـ
مثالا
رائعا
لطريقة
التناول
في
مثل
هذه
الموضوعات
،
وصيغ
تمثلها
للفكرة
إذ
أخذت
هذه
القصيدة
من
الشهرة
والاهتمام
حظا
كبيرا
فقد
حفظها
جميع
أطفال
العراق
وراحوا
يرددونها
في
مدارسهم
وبيوتهم
وألعابهم
:
ميكي
ميكي
قل
للروسي
والأمريكي
قل
لشعوب
العالم
أجمع
اسمع
اسمع
صرخة
طفل
جاء
ينادي
ارفع
ارفع
سيف
حصارك
ظلم
قرارك
عن
بلد
الشمس
الزرقاء
الإمضاء
:
طفل
من
أطفال
بلادي
وفي
الجانب
اللغوي
،
فإن
القصائد
مكتوبة
بلغة
تتحسس
قاموس
الطفل
وتستجيب
له
،
ومن
هنا
جاءت
قصيرة
ولكنها
مكثفة
الدلالة
،
حتى
إن
أية
قصيدة
منها
لا
تكاد
تتجاوز
العشرين
مفردة
.
وليس
في
تلك
المفردات
ما
لا
يستطيع
الطفل
أن
ينطقه
،
فكلها
ضمن
قدراته
الكلامية
،
وهي
من
البساطة
والوضوح
حدا
يقربها
من
لغة
الحديث
اليومي
،
دون
أن
يخرج
بها
من
الفصاحة
وسلامة
التأسيس
النحوي
واللفظي
.
ولا
ينسى
الشاعر
أهمية
إغناء
قاموس
الطفل
ببعض
المفردات
الجديدة
لذا
نجده
يدس
بين
حين
وآخر
واحدة
من
تلك
المفردات.
وفي
حدود
رسم
الصورة
وفاعلية
الخيال
،
يستعين
الشاعر
بوعيه
لطبيعة
ذلك
عند
الطفل
ومجالات
حركيته
،
فيرسم
الصور
البسيطة
التي
تتجسد
من
خلال
أفق
خصب
،
يستوعب
مدركات
الطفل
التخيلية
مع
ميل
واضح
عند
الشاعر
إلى
الابتعاد
عن
الصيغ
التعبيرية
المباشرة
وإغناء
القصيدة
بصور
تحرك
خيال
الطفل
وتشبع
فضوله
وتنمي
إمكاناته
على
التأمل:
للأمام
...للوراء
للوراء
...للأمام
يبتعد
الجدار
تقترب
الأشجار
ويرقص
الهواء
للأمام
...للوراء
وتبدو
موسيقى
القصائد
ذات
إيقاعات
متدفقة
،
تناسب
المطلب
الحركي
للطفل
،
وقد
استجاب
لها
الشاعر
من
خلال
حرصه
على
الوزن
الذي
يجئ
قصيرا
راقصا،
وعلى
ترديد
منتظم
للقافية
من
دون
هيمنة
مطلقة
لإيقاعاتها
المتكررة
.
إن
القصيدة
،
وهي
تتردد
على
شفاه
الطفل
وتتجسد
في
حركاته
لا
تمثل
إلا
لحظة
محددة
من
إنشغالاته
،
لا
يطيل
وقوفه
عندها
،
لطبيعة
نوازعه
الحركية
ومدركاته
الذهنية،
فما
يلبث
أن
يتجاوزها
إلى
اهتمامات
سريعة
لاحقة
.
وقد
أدرك
الشاعر
هذه
الحقيقة
،
فجاءت
قصائده
:
قصيرة
،
سريعة
،
متدفقة
،
تستوعب
المقدار
الحقيقي
الذي
يمنحه
الطفل
للأشياء
والأفكار
من
اهتمامه
ووقته
.
والطفل
في
قصائد
الربيعي
ذكي
ومتفاعل
مع
مدركاته
،
يمتلك
قدرة
عالية
من
الحيوية
والرغبة
في
استيعاب
ما
يحيط
بوجوده
الغض
من
عوالم
وأشياء
،
يعيد
تشكيلها
لتصبح
ملكه
،
بنوع
من
التماهي
الخلاق
معها
.
وهكذا
فقد
كتب
عبد
الرزاق
الربيعي
معظم
شعره
للأطفال،
إن
لم
نقل
كله
،
بوعي
خصيب
واستجابات
خلاقة
للطفولة
واحتياجاتها
،
فحقق
بذلك
إنجازا
نبيلا
،
يمكن
عده
مثالا
صادقا
لقصيدة
تنسل
إلى
عالم
الطفولة
بهدوء
وعذوبة
وصدق.