مرثاة لروح مرهفة عاصرت أعتى الحروب
قراءة في ديوان ( غدا تخرج الحرب للنزهة )للشاعر عبدالرزاق
الربيعي

·
د.علي ثويني*
من أكثر مفارقات دنيانا أن يجتمع التضاد فيها دون عناء منطقي
،فهاهي الظلمة والنور ..الأسود والأبيض و الطغيان والرحمة
الخسة والطيبة ثم الحرب والشعر. عالم متناقض متضاد يلتقى في
بوتقته النقيضان حتى ألفت العين أن ترى مسوخا والأذن أن تسمع
نشازا والعقل أن يتغاضى ويماطل والضمير أن يهمش أو يموت . هكذا
هو حال أصحاب الحس المرهف من الفنانين والشعراء الحالمين في
عالم اضطرمت في أتونه حرائق الحروب وتصاعدت في ساحاته قعقعة
السلاح و هرج ساحات الوغى. أين وكيف نجد هؤلاء في مواقع كهذا.
عالم متناقض من نفوس تواقة للجمال ونوازع أخرى للخراب. شعر
وحياة ومسك من جهة و حرب وأشلاء وبارود من جهة أخرى.
هكذا تبدو أشعار عبدالرزاق الربيعي تناقض بين روح وردية ونفس
منتصرة تواقة للحياة خرجت مهزومة أما نوائب دهر ظالم ليس للحلم
الجميل فيه من موطئ قدم. فلاذت النفس فرارا الى عوالمها
الداخلية النقية تختبئ بين ثنايا صدق فطرتها، وتمني النفس
الخلود في كنفها. فخرجت قصائده حالمة تسبح في عالم جديد هو
متناقض عما ألفناه وقراناه، حيث التقت لأول مرة الرومانسية
بنقيضها الواقعية، لتبشر بعالم جديد من الشعر والفن يمتزج بها
النقيضان أو هو في حقيقته نتاج ووليد من صلب جدلية النقيضان
المخالف لكليهما والمتسم بقربة من الهواجس والمشاعر العقلية
ونأيه عن الخيال والحلم العاجي .
كانت رسائلنا التي تبادلناها ولاسيما وقت الشدائد والكوارث
نزعة وتوق من النفس العاجزة عن تغيير المسارات القسرية القدرية
، وأمست نوعا من التفريغ الوجداني.ومن جميل ما فعله الربيعي
أنه جمع من طيف الرسائل التي تبادلها مع الأحبة والأصدقاء
ألوانا من التعابير الصميمة التي أنتجتها المحنة ونلمس في
طياتها ضمائر تتلضى وتكتب برهافة وصدق، ومنها ما كتبته دون أن
ألتفت إليه ،ولكني اكتشفت بعد قراءتي له بعد عام أنني كنت
مغمورا في حينها بنزعات من الوجد والشطح الصوفي.
وجدت كل ذلك قد ورد تحت عنوان (غبار الحرف والحرب) وهو إشارة
الى تلك النزعات الوجدانية، ونلمس عمق مدونات د. عبدالعزيز
المقالح ود. وجدان الصائغ، ود.حاتم الصكر ود. سعد التميمي
والشاعر سمير طاهر والمخرج المسرحي كريم جثير والقاص علي
السوداني والقاص وارد بدر السالم والشاعر عدنان الصائغ والشاعر
فضل خلف جبر والكاتب عبدالستار خليف والشاعرة جاكلين سلام
والشاعر سعد جاسم والقاص محمد حياوي والباحث عوني صبري. وأراد
الربيعي بذكر أراء تلك الأسماء المنتجة للثقافة أن يقول أن
شطحاته الصوفية التي ضمتها قصائدة كانت واحدة من ضمن أراء تلك
الأصوات الهادرة التي تناغمت وتجانست في خضم تلك الأيام
المرعبة.
كان عبدالرزاق أيام الحرب الأخيرة "وما أكثر حروب الطغاة في
زماننا" يتقد دون إنطفاء من سير الأحداث ،فدعوته للصبر ثم
الصبر،فالظالم هاجم الظالم وبقينا نحن المظلومين نتفرج على
الأحداث،ونترقب النتائج دون أن نعرف الأسباب، إنها رد فعل
غريزي لفعل لانلوي على تغييره. هكذا لمست برسائل عبدالرزاق،
حرقة في الروح وغصة في الضمير ، وفي نوازع حيرة النفس
وإضطرابها كتب أجمل قصائده، فوجدتها لاحقا قد جمعها في ديوان
(غدا تخرج الحرب للنزهة) الصادر عن إتحاد الأدباء والكتاب
اليمنيين في صنعا، حيث قرأت بين دفاته ضمير الإنسان العراقي
وهو يرى ولده أو والديه يحترقان أمامه وهو مكتوف الأيدي.
لم يرد في خاطر الطغاة رد فعل الشعراء ومرهفي الحس ممن بقى،
حينما قرروا أن يحترق الأخضر واليابس في الأوطان. ولم يهمهم
أوصال جسد مسجى في المقابر الجماعية، كان يحمل أحلاما ومشروعا
للحياة لا للموت ، فهو حقا شهيد الضمير حينما قسر على الموت
وأنتزعت روحه إنتزاعا.. وهو شهيد الوطن حينما:
فتحوا مقبرته الجماعيه
لم يعثروا إلا على عظام بالية
وبطاقة أحوال مدنية
خبأها باحتراز
تحت عظم الترقوة
هكذا وصف عبدالرزاق الربيعي مقابر الطغيان وهكذا جاءت شهادته
على الشهادة. وقبلها كان له حسرة على أسد بابل وقد فقد عزته
البابلية حينما أمتطى ظهره جندي (المارينز) ،وتناسى بلبلة
الألسن ووهج نور بابل وجنائنها الغناء ، فأصبح صورة لوطن يمتطى
مرارا من الطغاة والمحتلين دواليك، وكأن أرواحا مثل روح الشاعر
الباقية وروح صاحب البطاقة المدنية السامية الى ربها، ليس لها
الحق أن تقول كلمتها في مصيره وقراره.( لقد جاءت دفقات الربيعي
كصرخات اللبوة الجريحة في الفن الجداري الرافديني، السهام في
أنحاء جسدها الجميل وهي تصرخ بغضب ولوعة وحزن..) كما ورد في
وصف الناقد د. حاتم الصكر المدون على الغلاف الخلفي للمجموعة
الشعرية.
لقد جاء ديوان الربيعي (غدا تخرج الحرب للنزهة) مرثاة لروح
مرهفة عانت الكثير في حروب مستمرة مع الذات ومع الغير وشهدت
الويل وعاصرت أعتى الحروب، واليوم تجد نفسها ضالعة في دوامة
الحزن المكابر الذي أصبح سمة لجيل أو أجيال من أهل العراق
الكرام.
* معمار وباحث عراقي
thwanyali@hotmail.com