|
امتزاج الواقع بالرمز والحلم في ( الصعاليك يصطادون النجوم) لعبدالرزاق
الربيعي

عزه القصابي
(الصعاليك يصطادون النجوم ، ومسرحيات أخرى) مجموعة مسرحيات صدرت عن
مركز الحضارة العربية في القاهرة
لمؤلفها عبدالرزاق الربيعي شاعر وأديب ،جاء إلينا من أرض بابل ، له
العديد من المداخلات النقدية ذات اللمسة الأدبية ، ألفنا قلمه بجريدة
الشبيبة ، أبى ألا أن يطل علينا منها .وهو شاعر أضفى على قصائده ظلالا
تخاطب الحس الإنساني وقضاياه القومية وله عشر دواوين تعكس الشحنة
الجمالية بداخله .
ويعتبر " الصعاليك يصطادون ،ومسرحيات أخرى " الإصدار الأول للكاتب في
مجال المسرح ، والذي يتضمن على ست مسرحيات ، هي :
( ذات صباح معتم ، كأسك يا وطن ، أيتها العاصفة ، البهلوان ، ضجة في
منزل باردي ، الصعاليك يصطادون السمك )
وقد وصفها الدكتور بيداء محيي الدين ، بأنها تعتمد على التاريخ
والأسطورة ، مستفيدا من التقنيات الزمنية التي أظهرت في دورها تعددية
شكلية حكائية ، مع توطيد العلاقة بين التاريخ وقضايا العصر من خلال
الذاكرة الجماعية للأفراد والشعوب .
ولقد عرضت مسرحية "أيتها العاصفة " في صنعاء وأخرجها كريم جثير عام
1996 ،كما شاركت في المهرجان العالمي الثاني بكندا عام 1996، وعرضت
بدولة الكويت .
أما مسرحية " وكأسك ياوطن أو سقراط " قدمت في أيام الشارقة المسرحية في
عامي 1994، و 2004م .وسأسبر في الأسطر التالية، أولى مسرحياته :
" ذات صباح معتم " بالرغم من عتمة الأحداث فيها ، إلا أنني سأحاول أن
أنير هذه المسرحية برؤية نقدية شفافة ، قصدت فيها أن أداعب لغته
المسرحية ، ملقية الضوء على أهم المشاهد التي سادت فيها مساحات العتمة
الشديدة ، ولم تنقشع إلا بظهور قرص الشمس الذهبي حيث استندت المسرحية
على فكرة رئيسية وهى غياب الشمس ، ومعرفة ما هو السبب في ذلك ؟
و اتكأت هذه المسرحية على الحكايات الشعبية المتداولة التي حيكت حولها
قصص كسوف الشمس وعتمة قرصها المضيء الذي عودتنا عليه ، ولقد شغلت
الظواهر الطبيعية واختلالها - كسوف الشمس وخسوف القمر - الإنسان منذ
الأزل ، وبدأ في التكهن بحدوثها .
بالطبع كان هذا قبل اكتشاف النظريات العلمية الحديثة ، التي أكدت بأنها
ظواهر طبيعية يمكن حدوثها في أي وقت من السنة .
ولكن هذه المرة اختفت بعيدا عن الأنظار ، وما هو وقع الخبر لدى فئات
الناس المختلفة ، و كيف تكون الحياة لو اختفت الشمس عن كوكبنا ؟
بالطبع ذلك السؤال يأخذ منحيات عدة لأنه يمر على شرائح المجتمع " الشيخ
والرجل والمرأة ، والشرطي والحارس ، والتاجر والطفل والأب والفتى
اليانع ، واللص ،والشحاذ ، 0000"
هكذا تبدأ دقات الساعة في التراجع ، ويعتبر حوالي ثلاث أرباع المسرحية
عبارة عن انتظار في انتظار ! .
وفي اليوم التالي أراد الناس أن يخرجوا للعمل ، ولكن الليل أرخى سدوله
المثقلة ، وسكنت الحياة ، ولم تغرد الطيور في الصباح الباكر لتوقظ
الأطفال لذهاب إلى المدرسة ، واختلط الحابل بالنابل ، وبدأ الناس
يضربون أسداس في أخماس حول ما هو السبب الحقيقي لاختفاء الشمس ؟!
ويقوم الجميع بالتخمين حول السر في اختفاء الشمس. والبحث عن الحل الذي
سيقدمه المنقذ .
ومن ثم تبدأ أجهزة الأعلام بدق الطبول نتيجة استشعارها للكارثة غير
مألوفة ، معلنة
" إضراب الشمس عن الشروق هذا الصباح...ألزموا الهدوء وساعدوا رجال
الشرطة في الحفاظ على الأمن .....لقد شكلنا لجنة من كبار الفلكيين
لمعرفة الأسباب وسنوافيكم بها حال وردها "
كما أدى غياب الشمس عن الوجود إلى اضطراب الحياة ، وتداخل الأزمنة ،
والبعض استفاد من هذا التغيير ، والبعض الآخر أصبح المتضرر ،ولم تنس
المسرحية التعرض إلى شخصية الشحاذ ، الذي تعود أن يخرج مع شروق الشمس ،
لتحصيل رزقه من جيوب الآخرين .
الجميع ينتظر ، والشاعر يريد أن يصدح بحجرته أعذب الأبيات الشعرية ،
ولكن ملهمته قد غابت ، ويبدأ الشاعر في التخيل ، والتساؤل عن السبب
" إن الشمس ملت الإقامة على أرضنا لأنها طالما أشرقت على هذه المدينة
وجادت بنورها الوضاء علينا ، ولكن أحدا منا لم يرفع يديه شاكرا.
فيجب رجل : الآن فقط عرفت لماذا طردكم أفلاطون من جمهوريته " !
ويمتز ج الواقع بالرمز والحلم في توصيف معنى الشمس ، حيث أن المشاهد
الأولى من الفصل الأول يتضح فيها البعد الرمزي . والرمز في الأدب يتخطى
التجربة الحسية ويسبر عوالم النفس ومعانيها الخفية ، وهذا يتوافق مع حس
الشاعر المرهف ، والذي يقول:
" في الدروب المرشوشة بالدم 000بين حبات السنابل 00في جيوب الغيوم 00في
عيون الأطفال 00سأبحث 00في جيوب الغيوم 00في عيون الأطفال 00سأحبث 00في
كل زوايا البؤس 00في طيات الدموع 00في أوراق الشعراء السرية 00سأبحث
جاهدا 00حتما سأجدها هناك 00"
ثم لا تلبث تلك الشاعرية في الرمز ، أن تختفي في الفصل الثاني ،
والعودة إلى معنى الشمس الحقيقي
أما التجار فيقررون استغلال الموقف ، بما يتناسب مع مصالحهم التجارية
:" هذه أمور بديهية000لنفكر بأشياء أكبر وأهم وعلينا أن ننفذها بسرعة
كبيرة فمن الذي يضمن لنا أن الشمس ستظل هكذا 000علينا أن نستغل هذا
الظرف قبل أن ينتهي وتضيع آمالنا ومشاريعنا " .
وفي الفصل الثاني تبدأ الأحداث في التكشف للوصول إلى الحقيقة ، ومن ثم
معرفة السر وراء غياب الشمس من خلال العراف ، الذي يطلب من الناس
الاعتراف بخطايهم ، وهذا يعني عودة الناس الاعتماد على الدجل والخرافة
في فك الطلاسم الكونية .
" العراف : أن الجن تقول : ماذا قالت لك الجن أيها العراف الفاضل ؟ إن
الشمس غاضبة عليكم ، لأنكم اجترحتم خطيئة ولن تشرق إذا لم يعترف الخاطئ
أمام الجميع
الشيخ يؤيد العراف على اعتراف الناس بخطئهم
" دعك من هذا الكلام000أيهاالناس اعترفوا بخطاياكم والله غفور رحيم
00الخطيئة مقدرة على البشر ، وقد جاء في الإنجيل " للبشر أن يخطئوا
وعلى الله الغفران "
إن المتابع لفصول المسرحية يجد الفصل الأول وثلاثة أرباع الفصل الثاني
يعتمد على الانتظار ، وبتالي أختفي الفعل الحركي لبقية مجريات الأحداث
.
وتتوافق فكرة انتظار المحرر لأهل المدينة مع مسرحية " أوديب ملكا "
لسوفكليس ، حيث ظل أهالي طيبة في انتظار من يحررهم من الوباء ، ومعرفة
السبب في ذلك .
وامتزجت في المسرحية اللغة الشاعرية مع السرد القصصي في تدفق الحدث ،
وهو ملئ بالكثير والكثير من الصور البلاغية ، التي تدلل على اللغة
الشاعرية للمؤلف ، التي يتضح فيها الأسلوبي النصي أكثر من الفعل
المسرحي
وهذا بالطبع يوحي بأن علاقة الأدب بالمسرح علاقة وطيدة ، باعتبار أن
المسرح أحد الأجناس الأدبية .
بالنسبة للشخصيات فقد وضعت مع الحدث لتتحدث بواقع فرض عليها ، ولا تلبث
أن تختفي لتظهر شخصيات أخرى ، لتحكى قصتها في تلازم وطيد مع الأحداث .
حقوق النسخ © بواسطة .::.كلكامش.::.
جميع الحقوق محفوظة.
- رجوع -
|