الى رشا فاضل مديرة موقع كلكامش المبهج

 

حيـــــرة

احتفاءً بعَبدِ الرَزّاق الرُبَيعي

موجز اخطاء العالم

من الحدائق المعلّقة الى الجنائز المعلّقة

الغربة هاجسا ً شعرياً

توضأنا بعشق الاختلاف

 

عصرية في مرحاض بعيد

عبـــر الاثيــــــر

 

  

 

- سيدوري تبعث حكمتها للشعراء

  .حاتم الصكَر

كما في العمل العراقي الخالد ملحمة (هو الذي رأى) التي عرفت لاحقا بملحمة جلجامش ، نجد سيدوري –صاحبة الحانة التي نصحت جلجامش بأن يدع سؤال الخلود والفناء ويستريح لينعم باللذائذ مادام يمتلك حياته ، تعتلي ديوانا حديثا لشاعر عراقي ثمانيني لتعود إلى النصح وتثبت الوقائع أنها على حق.

لكن ديوان عبدالرزاق الربيعي: خذ الحكمة من سيدوري- منشورات بابل2006- لا يتحدث كسلفه العراقي عن أفعى تأكل عشبة الخلود، بل عن خيبات أكلت حياة العراقيين في الزمن القائم وخذلت انتظارهم وأحلامهم. لقد ضاع كل شيء ولن يجد جلجامش في  أوروك حتى قبر خله وشبيهه أنكيدو فربما أزالته دبابة أو قنبلة ، فقد كثر الموت وقلت الحياة حتى صار البكاء- كما يقول الربيعي في قصيدة قصيرة-على من سيموت لا على الموتى الذين ماتوا فاستراحوا.

تلك هي الثيمة التي انشغل بها الربيعي المسكون  بما يهز وجدانه من  أحداث وطنه فينفعل بها  ويتفاعل معها  .. وهو الذي كان  يرصدها مبكرا حيث  كان ديوانه: ( غداً تخرج الحرب للنزهة) الذي شهدتُ ولادته وقدمته  ( منشورات اتحاد الأدباء اليمنيين عام 2003) ، من أوائل الأعمال الشعرية التي تنبهت إلى ما عصف بالوطن الجريح واستبقت ما يدور على أرضه الآن من كوارث. أذكر أن عبدالرزاق أصّر على تسمية الديوان : على ظهر أسد بابل ، مستوحياً ذلك من صورة تلفزيونة لأحد جنود المارينز يعتلي ظهر أسد بابل التاريخي االرابض في رمال بابل التاريخية  ، ثم اقتنع بأن العنوان المقترح(غداً تخرج الحرب للنزهة )أكثر رهافة وشاعرية وتأثيرا لقيامه على المفارقة الحادة: الحرب /النزهة.

هكذا اتسمت أشعار الربيعي الأخيرة بالألم والحزن ، فلا غرابة أن يجد في التراث العراقي القديم ما ينجده في بكائياته الحادة.

لقد منح النثر قصائد الربيعي فرصة الإفادة من السرد ومظاهره الممكنة في الشعر ، فالقصيدة الرئيسية التي أخذ الديوان عنوانها تعتمد على المخاطبة المباشرة بحوار طويل مع جلجامش . وفي قصيدة ( أسنان)  يترجم الشاعر حلماً للأخ القتيل الذي يعاد قتله في الحلم أيضا بشظية تتطاير من عبوة ناسفة . وهكذا تتخذ  القصائد هيئاتها من مناسبة سردية تتخفف عادة من آليات السرد وعناصره المنتظمة بكيفيات أخرى في القص    معتمدة حيوات البشر المنسحقة بلا رحمة في جحيم اللعنة القدرية التي يعاني منها الوطن ،  فلا يظل لجماله معنى لأن كل شيء فيه مرتبط بالفقد وبالخسارات المريرة التي دفع  أبناء جيل عبدالرزاق بالذات قسطاً كبيرا من حياتهم وسنوات حلمهم وشبابهم في غبار معاركها  .

هنا يصبح الصراخ مبرَّراً لأنه احتجاج على ما يحصل من كوارث  ، وما يجري دون منطق ،  هذا الصراخ الذي ترك تراجعات عديدة في الملفوظ الشعري لأصوات كثبرة من أجيال مختلفة في العراق ، نابت عن حداثاتها هيجانات لغوية وصورية ودلالات مباشرة وإيقاعات ضاجة صاخبة

وأكثر ما ينقذ أشعار الربيعي من ذلك المحذور  هو اعتماده الانزياحات الحادة والمفارقات الأسلوبية الواضحة في التراكيب والصور أكثر من سواها ، وهي وسيلة ارتاح لها الربيعي وتميز بها – ويمكن ملاحظتها في بناء قصائده كقصيدة (حب) التي يتخيل فيها سقوط حرف الراء من كلم(حرب) وقد أعاد لذاكرتي مقطعا عنوانه ( ر) من  قصيدة (أبجدية عراقية ) للشاعر الألماني يواخيم سارتوريوس ترجمتها أمل الجبوري التي يقترح فيها أن نأخذ الراء من : ((حرب)) لنتلمس مفردة: ((حب)) وما سيترتب على هذا المقترح من تغير في الحياة التي سيسودها الحب المنبثق من ولادة خطية في حضن الأبجدية التي بحذفنا للراء من كلمة  : حرب  نكون قد نقلنا  حياتها وحياة البشر الناطقين بها إلى مناخ مختلف تماماً.. مناخ يكون الحب هو الهواء الذي يتسيد فضاءه حيث لا مكان للقتل والعسف والاحتلال .

و حتى في عناوين دواوين الربيعي نجد هذه الأسلوبية المتكررة ( جنائز معلقة،  موجز الأخطاء…)  وفي خلاصات القصائد أو حكمتها وصورها:

                          اصطحبنا الحقائب

                          وصاحبنا الجوازات

                              وشرطة الحدود

                          وقلنا : نسافر

                         ولم نعرف

                            إننا تزوجنا الغيوم المسافرة

                            لننجب مسافات قاحلة

فقط في تلك القصائد الوزنية الصارخة ينسحب السرد وتتلاشى الصور القائمة على المفارقات، ليعلو الندب والصراخ ، ومنها قصائد : يا عراق ، وبرق:

                         يا  عرا ق

                           يا عراق

                          يا عراق

                       أيها الجرح السماوي المراق

                     أيها المزروع في خاصرة الريح

                         على ظهر البراق

لكنه في غالب قصائد ديوانه يستمد صوره ولغته وإيقاعاته من تلك الإنزياحات الصورية واللغوية التي عُرف بها وميزت قصائده منذ سنين:

هنا نلتقي بلحيةٍٍ مفخّخة .. ،  وأم تبحث عن فلذة ..حلمها بعد الانفجار، أما المكان الذي شهد الواقعة المتكررة يومياً في نهارات بغداد وصباحاتها فقد أصبحت ساحة القلب ثم ارتفعت مع تلك الأجزاء والأشلاء المتطايرة بعد انفجار الخميس المفخخ.

من الواقعة اليومية ينتزع الشاعر وقائعه الشعرية فيعيد بناءها داخل النص ليوجهها حيث اعتقاده بلا جدوى الموت الذي صار العراق علامة عليه أو دلالة تشتغل تحت اسمه المضيء الذي منح البشرية المحبة والشعر والسلام زمنا طويلا فبدل أن نفرح لأننا على قيد الحياة ، يقترح الشاعر أن نظل : على قيد العراق  .

      في بحث جلجامش  عن الخلود وما يعيد الشيخ صبيا والميت حيا ،و ثم عودته الخائبة دون حل أو دواء أو أمل وجد عبد الرزاق  رمزه الشخصي وأسطورة بلده المكتنز بالأساطير والعجائب حتى في مصائره الفريدة، وبدل أن تنطوي سيدوري في حانتها تغري المسافرين المغامرين بالبقاء في عذوبة ملذاتها وشرابها ،  ها هي ذي تبعث الحكمة للشعراء  ليكفوا ويكتفوا لأن لا شيء في الأفق يلوح خلاصاً أو نجاة ً أو أملاً.

 وهذا ما تؤكده القصائد المعبرة عن ثيمة    اللاوصول دوما، فهناك ما يقطع الرحلة أو يوقفها ، فكأن النصوص إعادة صياغة لأمثولة جلجامش المتجددة كما  في قصائد مثل: (مستنقعات، بما ذا  يعود الغريب، عندما تعود إلى الوطن ، وغيرها)….

الربيعي شاهد شعري على ما حدث ويحدث ، بل هو أحياناً يشم الآتي ويستبق ما يجري

وذلك ما أكدته معالجاته الشعرية السابقة المنهمكة بوطنه الذي يلملم شظاياه ويتتبع انكساراته. ومما يزيد ألمه أن الانكسارات تتعمق والوطن يبتعد حتى ليقترح علينا في إحدى القصائد أن نسأل عمن ظن ظل حيا لا عمن مات ، فالموت هو القاعدة في عراق الدم والخسارات  ، والحياة هي الاستثناء . ولا يملك - في زمن الرصاص المجاني الأعمى وانهيار الأحلام   – إلا قصيدته ملوّحاً بها في وجه الشر المحدق بوطنه وأهله وذكرياته ووجوده.

ذبك لا يعني أن عبدالرزاق لا يخلو لنفسه أو يظل مرهونا  منغمسا في الضمير الجمعي، فها هو يصور وحدته الآهلة فيقول:

شيئا

فسيئا

أقلل من الآخرين

لأمتليء بالوحدة

 

وعندما أجلس وحدي

يكثرون

لذلك

ترونني

وحيدا

مليئا بالآخرين

 

هكذا يحضر الآخرون حتى في وحدة الشاعر ،  فهم صليبه بل هم الصخرة كما يقول السياب.

 

 

 

 

 

 


 


  
مكتــبة كلـكامـش

 

.: مواقع صديقة :.





 

 

 

لقاءات اذاعية وتلفزيونية

نصوص مهداة للشاعر

البوم الذاكرة

أبصر( الحجاج ) ببدلته الزيتونية

خطى كلكامش

خواطر عن عبد الرزاق الربيعي

عبد الرزاق الربيعي...نسمة باردة في صيف عراقي

عبد الرزاق الربيعي .. الشجن في ثياب التجلي

شادي في ثلج فيروز


نكهة الوجع العراقي