الى رشا فاضل مديرة موقع كلكامش المبهج

 

حيـــــرة

احتفاءً بعَبدِ الرَزّاق الرُبَيعي

موجز اخطاء العالم

من الحدائق المعلّقة الى الجنائز المعلّقة

الغربة هاجسا ً شعرياً

توضأنا بعشق الاختلاف

 

عصرية في مرحاض بعيد

عبـــر الاثيــــــر

 

  

 

 

التداخل الزمني والتنوع  الحكائي

قراءة في مسرحية ( كأسك يا سقراط ) لعبد الرزاق الربيعي

*  د. بيداء محيي الدين

 

يمتاز نص مسرحية ( كأسك يا سقراط ) الشعرية ، للكاتب المبدع عبد الرزاق الربيعي ، في مبناها الحكائي بتعددية صيغية ، إذ تتمحور بنية الخطاب حول تنوع بنائي حكائي تمكن بتواشجه مع تمظهرات الزمن المتباينة والمتداخلة ، من خلق رؤية مشهدية ماضوية ـ معاصرة التحم فيها النسبي بالمطلق ( سقراط الحقيقة ـ سقراط الرمز ) ضمن جدلية الزمن الذي شكل إطار النص ، إذ إنطلق المؤلف من الماضي السحيق محملا شخصيته الرئيسة ( سقراط ) البعد الإيديولوجي بوساطة الكلمات التي لا يملك سواها ، لتصطدم بمفردات الحاضر المعاصر الذي انسلخ بدوره من خاصيته الزمنية ، ليتفاعل مع ( سقراط ـ الحدث ) فامتزج الاثنان في موقع ما من  الزمن كي يعبرا عن ( مأساة سقراط ـ مأساة الإنسان ) 0

وظف الكاتب أكثر من آلية صيغية وزمنية ، لتشتغل في تفعيل الحدث ، إذ استهل النص بسرد متناوب متقطع على لسان الكؤوس التسعة التي ما تلبث أن تتماهى جميعها مكونة ( المجموعة ) متبينة دور الكورس الكلاسيكي الإغريقي في محاورة الشخصية المركزية ، والتعليق على الحدث والتعقيب عليه فضلا عن مهمتها في تصعيده ونموه ...

 

الكأس 1 : ابتدأ الليل

                  بقتل الإنسان
                  أخاه الإنسان

                           أمام عيون الغربان

الكأس 2 :  و على مر فصول التاريخ

الكأس 3 :  ظلّ الجوهر

                لم يتغير

الكأس 4 :  وتبدلت الأشكال

الكأس 5      :  واليوم

                        تسيل دماء الشمس

                        على إسفلت الظلمات

                         بكل مكان

الكأس 6         :  فيا سقراط

                          الوجع المصلوب

                         على جدران(أثينا) كأسك

الكأس 7           :  في البال سؤال

الكأس 8           :  كيف غدا الباطل

                            في ثوب الحق ؟

الكأس 9             :  وكيف غدا الحق

يسير بثوب الباطل ؟

المجموعة          :  أنبئنا بالعلة يا سقراط

أتينا نحضر هذي الليلة عرسك

يا مبتدأ الوجع المتمرد كأسك

إذ حامت حولك شتى الشبهات

علا صوتك في الطرقات الملغومة

سقراط                 :  أعرف نفسك

فالمجموعة المتوزعة على الكؤوس بوصفها بنية نصية تشارك الشخصية الرئيسة ( سقراط ) الحوار محاولة إثارتها من خلال شروعها في الإجابة عن أسئلتها ـ أي المجموعة ـ ونرى أن اعتماد الكاتب هذا الأسلوب الحكائي المتمثل بالسرد المتقطع قد حقق فرادة بنائية للحدث المسرود ساعد الشخصيات / الكؤوس على إشعار المتلقي بأزمته الوجودية من خلال من خلال طرحها استفسارات مفاهيمية / معرفية تعد مرتكزا في صيرورة الحياة ، إلى جانب ما للسرد المتقطع من أهمية هيكلية وظيفية تسهم في عرض الحدث بشكل مكثف وموجز ومؤد على العكس فيما إذا استأثر بالسرد شخصية واحدة ، فقد تضيع على القارئ أو المتلقي متعة التواصل والتفاعل معها والتركيز على الفكرة المراد إبلاغها إليه .

ينتقل الكاتب بعد هذا النمط من الأسلوب الحكائي إلى الخطاب المباشر المعروض الذي تضمن لعبة صيغية حكائية في إتخاذه من الخطاب المسرود أداة لإعادة بناء الحدث :

 

أوطيفرون: حين مضى (شريفون)

إلى معبد (دلفي)

يسأل راعية الأحلام

المجموعة: أيوجد أحكم من (سقراط) ؟

أوطيفرون: أجابت :

 

{ تطل امرأة عجوز من أعلى المسرح}

 

العرافة    : لا يوجد

من تعلو حكمته

حكمة هذا الرجل العارف

كل الأشياء

 

{تختفي}

 

سقراط    :  ما أطيب قلبك يا (أوطيفرون)

فنرى ذلك التناوب في الحكي بين( أوطيفرون )في خطابها المسرود ثم أتمته المجموعة

.. لنصل إلى خطاب ( العرافة ) الذي أحالنا الكاتب إليه في خطاب مسرود منقول بوساطة السرد المشهدي فلم تتدخل الشخصيات الأخرى في صياغته بل تركته يتلى حرفيا على لسان حامله ، الأمر الذي أسهم في تفعيل الحدث ، وحافظ عل استمراريته وديناميته وهذا النمط من الأسلوب الحكائي نلمحه في أماكن متعددة من النص ، على نحو ما نرى في هذا المقطع :

سقراط    : وجاءتني في الرؤيا

              امرأة بثياب بيض

              قالت لي :

                       

              {تطلع امرأة من أحد الكؤوس}

المرأة     :  ستغيب عن الدنيا

                   في اليوم التالي

  لوصول سفينة (ديلوس)

              

               {صوت سفينة .... تختفي}

 

أوطيفرون  : سفينة (ديلوس) ؟

المجموعة1: يروى في (أثينا)

المجموعة2: في يوم ما

 أبحر(تسيوس)

 على متن سفينته

 وبرفقته أصحاب نحو(أقريطش)            

المجموعة1: ولكن كادت عاصفة

                        أن تغرق أحلام العودة

 ولذا نذروا لـ(أبولو)

 ليحجنّ إلى (دلفي)

 إن عادوا بسلام

 في كل سنة

المجموعة2: وغدا ذلك تقليدا ً

 واعتبروا فترة رحلتها

 من لحظة تكليل الكاهن

 حتى العودة

 أياما ً حُرما ً

المجموعة 1  : لا يقتل فيها أحد الناس

  وترجأ أحكام الإعدام

  لحين وصول سفينة ديلوس

                  إلى ميناء (أثينا)

فقد احتوى هذا المقتطف تنوعا بنائيا حكائيا تمثل في الخطاب المعروض المباشر الذي جسد الإطار الذي ضم بوليفونية  ( حوارية ) تمظهرت في تعدد الأصوات التي شاركت في سرد الحدث / الأسطورة { المرأة ، وأطيفرون ، والمجموعة 1 والمجموعة 2 سردا متناوبا ، ابتدأ بالمرأة التي نقلت للمتلقي خطابا مسرودا حرفيا ثم يردفه بخطاب مسرود و مرو على لسان الشخصيات الثلاثة في خلاصة زمنية كثفت الحدث وزادته إثارة وتشويقا ً .

وكذلك يعمد المؤلف إلى إستحضار عينات أساسية وفي حياة سقراط أسهمت في دفع مسرحياته وتوجيهها في استرجاعات زمنية مشهدية نحو علاقته بتلاميذه ، وزوجته ، وأهل بلدته ، نذكر ما دار بينه وبين أحد أهالي بلدته ، على سبيل المثال لا الحصر :

سقراط             : آلهة أثينا !!

          لم أكفر بقداستها

          لكن أدعو لإله واحد

ثيوغنيس    : ما شأنك يا (سقراط)

بقدسيتها

أتركها هادئة البال

سقراط       : عجيب قولك هذا يا (ثيوغنيس)

        أآلهة (أثينا) هادئة

         تحيا دون قتال ؟

ثيوغنيس      : ماذا تعني يا سقراط ؟

سقراط         : ألم تأمر(فينوس)(كيوبد) بالقتل؟

 

                {ظلام ... بقعة ضوء على جانب المسرح}                        

 

كيوبد           : أفديك بروحي يا أمي

                            ماذا تبغين ؟

فينوس             : أريدك أن تقتل (سيكه)

كيوبد              : من؟

أقتل (سيكه)

محبوبة قلبي الحلوة ؟

فينوس              : أقتلها يا ولدي

                            فلقد ضاهت أمك حسنا ً

كيوبد              : لكني ........

فينوس             : هل تعصي أمري ؟

كيوبد              : كيف لسهمي

                          أن يدخل قلب مليكة روحي ؟

فينوس             : قلت أقتلها

                            أقتلها

                            أقتلها

 

               {ظلام...صرخة..}

               { يعود الضوء إلى سقراط وثيوغنيس}

 

فبعد الأسلوب المباشر المعروض عبر الحوار الذي وقع بينهما عهد الكاتب سرد الحادثة إلى الشخصيات الفاعلة فيها وترك الحوار لها في خطاب مسرود منقول لم تتدخل فيه الشخصية ـ الراوي وهو  ( سقراط ) في تركيبه ، ليجعلنا أمام سرد مشهدي وكأن الحدث يعرض الآن في الزمن الحاضر فضلا عن دور هذه التقنية في تخطيب الحدث أي تحويل الحدث إلى خطاب ينقل الأفعال في زمن مستمر وهذه خاصية تنفرد بها الدراما ـ على الأغلب ـ من دون الأجناس الأدبية المجاورة لها كالملحمة أو الشعر أو الرواية .وقد إستخدم كذلك الكاتب تقنية الاستباق المشهدي بوساطة النبوءة التي تكهنت بها العرافة بيد أن مضمون النبوءة لم يسرد من لدن العرافة بل تكفلت ( المجموعة ) بروايته من خلال خطاب مسرود منقول مشهدي  :

العرافة                : قبل امتلاء الكأس

                           بالسم الزعاف

                            اسمعوا نبوءتي

المجموعة       : ستلتظي النيران في (أثينا)

ويهرب التاريخ من سطوره

من شدّة الحياء

وتصرخ الوحوش في العراء

منشدة أغنيتي

العرافة                  : قبل امتلاء الكأس

بالسم الزعاف

اسمعوا نبوءتي

 

{ تختفي .. }

فمن فحوى هذا الخطاب نستدل على التداخل الزمني الذي يتجلى بشكل أوضح في بقية مشاهد المسرحية ، إذ يزج الكاتب ببعض المفردات المعاصرة نحو شخصية ( الضابط والمحامي والقضاة والصحفيين ) وأدوات فكرية عصرية ( كاللافتة وجواز السفر والفاكس ) ومفاهيم فكرية حديثة ( كالديمقراطية  والإضراب و جمعية حقوق الإنسان ، مندوب التلفزيون ووكالات الأنباء ومنضمة العفو الدولية ) وفي هذا كله يحاول الكاتب كسر تتابعية الزمن التاريخي والمعاصر في حركة زمنية لولبية نطل من خلالها على الزمن في ماضيه البعيد وهو يستنطق من جديد من خلال لغة ملأى بالاحتجاج والسخرية والتهكم ، نحو قوله :

 

المحامي         : أحتج عليكم بأسم الأحفاد

ميلتوس            : من أنت ؟

المحامي         : محامي من عقل القرن العشرين

                           أتيت لأرفع

                           عن معصم جرح الحكمة

                            هذي الأصفاد

وقوله :

المستشار3        : رفعوا لسيادتكم برقية

الحاكم                          : ماذا قالوا فيها ؟

المجموعة       : باسم الديمقراطية

                           نبغي لحكيم(أثينا)الحرية

 

                           {يدخل الخادم}

 

الخادم            : ضيف في الخارج

                             يطلب أن يدخل

الحاكم            : من ؟

الخادم            : قال بأنه مندوب

                          منظمة العدل الدولية ...

ومن هذه المقاطع نرى كيف استطاع الكاتب أن يخضع التاريخ والأسطورة في تغذية الحدث الرئيس مستفيدا من التقنيات الزمنية التي أظهرت في دورها تعددية شكلية حكائية ومتخذا من الملفوظ / النص أداة للتعبير عن زمنين متداخلين في آن واحد : الماضي / التاريخ + الحاضر إيمانا أن هذا الماضي كان حاضرا أو مستقبلا في حينه ظل مختزنا في الذاكرة ...

  
 


  
مكتــبة كلـكامـش

 

.: مواقع صديقة :.





 

 

 

لقاءات اذاعية وتلفزيونية

نصوص مهداة للشاعر

البوم الذاكرة

أبصر( الحجاج ) ببدلته الزيتونية

خطى كلكامش

خواطر عن عبد الرزاق الربيعي

عبد الرزاق الربيعي...نسمة باردة في صيف عراقي

عبد الرزاق الربيعي .. الشجن في ثياب التجلي

شادي في ثلج فيروز


نكهة الوجع العراقي