|
إحتفاءً بعَبدِ الرَزّاق
الرُبَيعي
ربع قرن من الصداقة في الحياة والشعر

فضل خلف جبر
--------------------------------------------------------------------------------
قبل البدء
قصدني ذات يوم شخص طلبا للمساعدة في شأن من شؤون الحياة. لم أكن أعرف
الرجل. رحبت به كما يقتضي الحال ولعدم وجود ما يمكن أن يكون فاتحة حديث
فقد تولى ضيفي زمام المبادرة قائلا: أعتذر لأن(....) لم يتمكن من
المجيء معي! قلت بكل ما أملك من حسن النوايا: ومن هو (....) يا ترى؟
أطلق الرجل ضحكة صغيرة مهذبة ثم قال: حسبت أنك سمعت عنه ..أجبت: وهل هو
في موضع مميز يجعله معروفا للجميع؟ استدرك الرجل قائلا: لا..لا إنه ليس
ممثلا أو شاعرا أو .. اسمع يا صاحبي ..هل تسمح لي بأن أقدم لك صديقي؟
وهنا علي أن أعترف بأنني فوجئت بطلبه لكن اللعبة استهوتني لطرافتها.
وما أن أعطيته الأذن ليحدثني عن صديقه حتى إندفق الرجل كالسيل مشرقا
ومغربا في الحديث عن شخص صديقه ...كانت دهشتي تزداد كلما توسع هو في
محاور حديثه .. وكنت أقرأ في ملامح وجهه شيء ما يدل على متعة وزهو وصدق
وإخلاص وإيمان عميق! وحين ودعني الرجل منصرفا كان قد انتهى من تأمين
غرضين: قضاء الحاجة التي جاء من أجلها وموعد أكيد يجمعنا نحن الثلاثة:
هو وصديقه وأنا.
لقد مرت سنين طويلة على هذه الواقعة لكنني ما زلت أعجب منها وما زالت
طازجة وشهية في ذاكرتي وهي بالإضافة إلى كونها تزخر بسيميائيتها
الهائلة فإنها أسهمت إلى حد ما بلفت انتباهي إلى قضية في غاية الأهمية
وهي موضوعة الصداقة. وقد بدأت بملاحظة كيف أن الناس في مشارق الأرض
ومغاربها يحتفلون سنويا بشتى المناسبات والأعياد. وهم لم يتركوا عنصرا
فاعلا وحيويا في الحياة إلا وكرسوه في طقس أو شعيرة أو احتفال: الحب
الزواج الأم الأب الشجرة الاستقلال العمل الميلاد وقبلها جميعا أعياد
الروح طبعا. وقديما لم يترك الناس شيئا تقريبا إلا احتفلوا به بطريقة
ما وقد حفظت لنا ميثولوجيا الشعوب وتراثها ما يفوق الحصر .
ومما يدعو إلى الدهشة أن الناس قديما وحديثا لم يولوا الصداقة الاحتفاء
الذي يتناسب مع شدة اهتمامهم بها. فالعرب مثلا يعدونها إحدى وشائج
الاقتران ومن أسماء الصديق عندهم " القرين " و"الصاحب " فهي بمنزلة
الأخوة. ويكاد يصبح في عداد المستحيل اكتمال عناصر السعادة لإنسان ما
ذكرا كان أو أنثى دون صديق يتمرأى من خلاله ويكون له بمثابة المعين
ومستودع السر والناصح الأمين .
إنني شخصيا قررت أن أكون أول من يلبي دعوة الضرورة فأحتفل بصديق قاسمني
الحياة ما يربو على ربع قرن من الزمان إنه الشاعر عبد الرزاق الربيعي.
إن أسبابا عدة كانت تقف وراء رغبتي المخلصة في استعراض بعض من صور
حياتنا المشتركة وكذلك إعطاء نفسي الحق في عرض بعض الصور الشخصية
الخاصة بالشاعر منها: أولا محاولة لكسر عادة سيئة وأنانية درج عليها
الناس تتلخص في أنهم يبخلون أو يتجنبون الحديث الصريح عن المبدعين
والتنويه بإنجازاتهم في حياتهم حتى إذا ماتوا انطلقت الأقلام من عقالها
لتدبج المقابلات والدراسات والبحوث ولتقول في هذا المبدع أو ذاك ما لو
سمعها المبدعون أو قرءوها بأم آذانهم وأعينهم للعبت دورا كبيرا في
إبداعهم ولأطالت في أعمارهم! ثانيا ولسبب يتعلق بالموضوع آنف الذكر فقد
شعرت أن من واجبي كمطلع على تفاصيل مهمة من حياة شخصية عامة أن أبادر
إلى نقل بعض هذه التفاصيل مما يهم القارئ والباحث الاطلاع عليها من جيب
ذاكرتي ووضعها في مكان أكثر أمانا! خوفا من أن تكثر الثقوب في هذه
الذاكرة! وثالثا هي رغبة موضوعية للسير بعكس تيار نظرية "موت المؤلف"
وسأعود لاحقا لتبرير وجهة نظري حول هذا الموضوع في المكان المناسب من
هذا البوح. إذن فأنا على موعد مع صديقي الذي أردت ذات يوم أن ألخص
موقفي منه من خلال إهدائي له نسخة من ديواني " آثاريون " ففشلت فشلا
ذريعا في اختيار ما يمكن أن يكون استشفافا لجوانيتي نحوه لذلك اضطررت
لاعطائه نسخة الديوان دون إهداء مكتفيا بالاعتذار الخجول. وما الذي
فعله الربيعي بالمقابل حين صدر ديوانه الأخير " جنائز معلقة "؟ وهو
الحدث الذي أعطاني السبب الكافي للاحتفاء بالربيعي، إليكم ما جاء في
الإهداء "....مرة أخفقت في كتابة إهداء مناسب يكون بحجم المحبة التي
بيننا ..وها أنا أخفق ثانية ..وثالثة ..و..علما بأن هذه هي النسخة
الثانية من الديوان ..." وواضح من هذا الإهداء أنه، أي الربيعي، لم يكن
أقل عجزا مني في كتابة إهداء. إن لهذه " المحبة " التي يشير إليها
الربيعي قصة طويلة سأحاول قدر المستطاع جمع بعض خيوطها ومن خلال
العلاقة التي ربطتني بالربيعي صديقا وإنسانا وشاعرا.
الوصول إلى الشواطئ الآمنة
نجحنا عبد الرزاق وأنا في اجتياز موانع الصداقة وعلى مدى ربع قرن من
الزمان. وإن مصدر شعوري بغبطة الانتصار والزهو أننا كنا خلال هذه
السنين في حالة احتكاك شبه يومي بل انه يومي إلا قليلا جدا! وان ما
يشعرني حقا بالسعادة هو إحساسي" بإنجاز" الصداقة وبودي هنا أن أتبسط
قليلا لتوضيح فلسفتي الخاصة بخصوص التعبير الذي استخدمته آنفا "إنجاز
الصداقة": إنني أنظر إلى الصداقة على أنها علاقة غريزية نفسية غامضة.
ومع أنها في الغالب ارتباط اختياري إلا أنها قد تصل في عمقها وتجذرها و
فاعليتها إلى حدود قدرية لا يمكن التكهن بها على الإطلاق. وهي، من
منظور خاص، مشروع إنساني يسعى لإنجازه كائنان بشريان أو أكثر ومدى
إمكانية إنجاز هذا المشروع تتوقف على نسبة الجمال الذي يشع في داخلهما
وتكافؤه. ووفق هذا المنظور فإن المتوقع في كل علاقة صداقة إما سيادة
"موجبات "الصداقة أو"موانعها ". وبهذا المعنى فإننا نتحدث عن حالة
"مفترضة" تكون خاضعة لميثاق شرف غير معلن يرتقي على ضوئه شخصان دفتي
سفينة ويقودانها باتجاه واحد.
وميثاق الشرف هذا هو وحده الذي يلزم هذين الشخصين بعدم خرق السفينة أو
حرفها عن الاتجاه المتفق عليه حتى يتم الوصول إلى الشواطئ الآمنة . إن
غبطة الوصول إلى هذه الشواطئ الآمنة هي التي تملأ كياني حاليا وأنا
أنظر في مرآة نفسي لأجدني راضيا سعيدا وأمد البصر بعيدا بعيدا فأجد
أرضا متلألئة تتماوج فيها أطياف المحبة والإخاء الخالص والشرف الرفيع
وأشجارا باسقة يتدلى منها ثمر طيب ويفوح لها أرج كريم. وأرى أفقا باهرا
تتخافق فيه أجنحة رقيقة لذكريات شديدة النصوع. إنني أشعر بمعنى من
المعاني وكأن أقدامي تتنقل في جنة أكاد ألمس بريقها بجميع حواسي! فقد
انتهت حالة التجربة بيننا كصديقين. وخضنا تلك التجربة بمسراتها
وشدائدها. وقطعنا بحر الغموض بأناة وجلد وشجاعة فائقة دون أن نترك
لموانع صداقتنا أن تدق إسفينها في سفينة رحلتنا المدهشة حتى تمكنا من
إنجاز ذواتنا كصديقين. الآن لا خوف علينا منا. مدى الود بيننا شاسع
وأرضه من ربيع.
الشاتم الجميل
أستحضر صورة عبد الرزاق الربيعي في ذلك اليوم من منتصف السبعينات وهو
ينضم إلى "جمعية أدبية"، كنا أسسناها بعض الأصدقاء وأنا، للإسهام في
تعميق توجهاتنا الأدبية. كان الربيعي هو آخر عضو ينضم إليها. لم يدم
عمر هذه الجمعية طويلا فقد قررنا تفكيكها بعد أقل من سنة واحدة. أعضاء
الجمعية انفرطوا كحبات العنقود ولم يبق من ذلك العنقود على قيد الشعر
سوانا عبد الرزاق وأنا.
في ذلك اليوم التقيت الربيعي للمرة الأولى وذلك خلال الاجتماع الذي كنا
نعقده أسبوعيا لتداول آخر جديد لنا. في ذلك الاجتماع وجه عبد الرزاق لي
شتيمة "رائعة" ما أن بدأت أترنم بأبيات قصيدة جديدة ولأسباب ربما يحسن
سردها الربيعي نفسه ذات يوم. وبفراسة سبعين شاعرا أدركت أن هذا الفتى
الشاتم هو من سيكون صديقي!
وبدلا من الغضب لوقاحته أخذته بالحسنى و"طيبت خاطره"! وهدأت من سورة
غضب الآخرين الذين كانوا يميلون إلى "طرده" لعدم صلاحيته للانضمام
للجمعية ( كانت المفارقة في أن أحد بنود النظام الداخلي للجمعية ينص
على "عدم جواز استخدام اللهجة الدارجة طيلة الفترة التي يستغرقها
انعقاد الاجتماع " ). انتهى اجتماعنا ذلك اليوم على وفاق وانتهى تأثير
الشتيمة في داخلي وبدلا منه انعقدت بيننا آصرة ود أخذت في النمو يوما
بعد يوم وشهرا بعد شهر وسنة بعد سنة حتى أصبحت شجرة صداقة باسقة طيبة
الثمر.
يوم كاد أحدنا أن يدق عنق الآخر
وعلى مدى هذه الفترة الطويلة من الزمن كنا قد مشينا من الشوارع
والحارات والأزقة ما لو مدت على خط مستقيم لأحاطت بخصر الأرض! وتحاورنا
في شؤون الحياة والشعر وما بينها ما لا يمكن استحضاره أو تلخيصه! ولقد
اختلفنا بشدة واتفقنا بعمق! فقد وصل حبل الإخاء بيننا وقد جاهدنا على
إبقائه موصولا. وكنا إذا شددت أرخى هو وإذا شد أرخيت أنا. أتذكر واحدة
من خصوماتنا الساخنة!
كنا ذات يوم نستقل سيارة بصحبة الصديقين جواد الحطاب وعدنان الصائغ
وكان الصائغ هو الذي يقود السيارة. وفي أحد شوارع بغداد المزدحمة لمحنا
فتاة كانت تربطني بها علاقة، ولكننا كنا حينها في حالة "سوء تفاهم".
ركن الصائغ السيارة إلى جانب الطريق ليتمكنوا هم من تحيتها دون أن
يضطروا إلى النزول من السيارة. لكنني فوجئت بعبد الرزاق وهو يفتح الباب
ويتجه نحو الفتاة ليتجاذب معها أطراف حديث لم نسمعه. جن جنوني وثار
غضبي لهذه "الخفة" التي أبداها عبد الرزاق. وما أن ودع "فتاتي" وعاد
إلى السيارة حتى نشب بيننا شجار ولا أشد! ولو كان أحد المارة يتطلع
إلينا لحسب أننا سيدق أحدنا عنق الآخر لا محالة! وكان محور الشجار يدور
حول ما اعتبرته أنا تدخلا في شؤوني وما اعتبره عبد الرزاق واجبا يقوم
به. كانت العادة في جولاتنا اليومية هي أن نذهب لإيصال جواد إلى بيته
في "حي العامل" باعتباره الأبعد جغرافيا ثم نعرج على "الدولعي" في
مدينة الحرية لإيصال عبد الرزاق ثم تكون المحطة الأخيرة التي يتجه
إليها عدنان هي ساحة الرصافي في شارع الرشيد حيث يقبع "أزهار الربيع"
وهو اسم الفندق الذي أقيم فيه. ثم ينطلق الصائغ الى بيته قرير العين
بعد تمضيته يوم حافل بالصداقة. في ذلك اليوم كان لابد من كسر الروتين.
فقد أصر عبد الرزاق على الذهاب إلى البيت مبكرا. انطلقت السيارة
المشحونة بالتوتر إلى الدولعي. كنا قد هدأنا لأن الأزمة بيننا تسربت
إلى الداخل وتحولت إلى صمت جليدي لم تفلح في إذابته دعابات الحطاب
المتواصلة ولا محاولات الصائغ للتأثير عاطفيا على سير الأمور. وحين
وصلنا قريبا من الشارع الذي يقع فيه بيت عبد الرزاق كنت من جانبي قد
انتهيت من اتخاذ قراري وكان المشهد كالتالي: توقفت السيارة عند الباب.
وبينما كان عبد الرزاق يقول كلمات وداع ومجاملة للأصدقاء كنت أنا قد
سبقت إلى فتح باب السيارة والنزول منها. تطلع الجميع إلي. فهم عبد
الرزاق حركتي على الفور. غادر هو السيارة. نظرت إلى الحطاب والصائغ
مودعا بابتسامة ذات مغزى. فتحنا عبد الرزاق وأنا باب البيت ودخلنا كما
كنا ندخل في أي يوم عادي. وحين أطلت السيدة والدة عبد الرزاق للترحيب
بنا طلبنا منها إسعافنا ب" لقمة "سريعة لأننا في غاية الجوع!
النقيض
كان عبد الرزاق يمثل لي دائما حالة الاستقرار التي كنت أفتقر إليها.
فمع جنون الرحيل الذي وجدتني متورطا فيه رغما عني ومنذ سنوات صباي
الأولى كان هو على العكس من ذلك تماما إذ أنه نادرا ما غادر بغداد –
إذا ما استثنينا ربما ثلاث سفرات عارضة وذات طبيعة ثقافية إلى الخارج
أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات –أذكر بهذا الخصوص أنني عرضت عليه
زيارة "الموصل"بعد انتهاء الحرب العراقية – الأمريكية وقد رحب بالفكرة
وما أن وصلنا الموصل ووضعنا حقائبنا في الفندق الذي وقع عليه اختيارنا
حتى أعلن عبد الرزاق أنه يريد العودة إلى بغداد! جن جنوني طبعا لهذا
القرار مما اضطرني إلى الاتصال فورا ببعض الأصدقاء في الموصل لأضعه
أمام الأمر الواقع! كان لديه ما يشبه الروتين اليومي فقد كان يغادر
بيته في الصباح الباكر ويعود إليه منهكا غالبا عند حلول المساء . وبين
هذين التوقيتين يكون عبد الرزاق قد التقى بالعشرات من الأدباء الأصدقاء
أو ممن يلتقيهم للمرة الأولى ويكون قد وطئ بحذائه المتهرئ عشرات
الطرقات .
للوهلة الأولى يبدو عبد الرزاق الربيعي متناقضا بين كونه أحد أشهر
المشائين في العالم وبين كونه طائرا داجنا يأوي إلى عشه الآمن بعد رحلة
استكشاف طويلة ومرهقة. وكانت صورة الربيعي طائرا داجنا هي المهيمنة في
أذهان من عرفوه. إن ألفته للمكان والتصاقه بتفاصيله هي من بين الأسباب
التي تقف وراء واحدة من أهم الخصائص في شعر الربيعي: اليومي مثل هذا
التناقض يمكن استجلاؤه في ملمح آخر من ملامح شخصية الربيعي وهو أنه مثل
جيد للغاية لما يطلق عليه صفة" المواطن النموذجي"! فهو مخلص للبيئة
التي تحدر منها. ويكفي أن تستمع إليه وهو يتحدث لتفهم من منظومته
اللغوية أنه مواطن عراقي وتتبع قاموس مفرداته لتفهم أنه جنوبي المنشأ
وتذهب بعيدا في رصد مخارجه الصوتية ليدلك ذلك مباشرة إلى منطقة بذاتها
في جنوب العراق تحدر منها ذلك الشاعر الذي يوازن بقدرة ملفتة بين هذه
"المحلية المقيدة" وبين همومه الإنسانية التي تجعل منه "مواطنا
مطلقا"دون شديد عناء. وسوف نرى لاحقا كيف تمكن الربيعي عبر الإخلاص
للمحلية وتوظيف تفاصيلها والانغماس في التراث العالمي واستثمار طاقاته
من جعل خطين متوازيين يلتقيان في واحدة من تجليات الشعر النادرة.
العاشق الفريد
من بين المهيمنات المركزية الأخرى في حياة عبد الرزاق كونه عاشقا من
طراز فريد ومتناقض أيضا. وإنني لا أزعم – رغم إطلاعي شبه الكامل على
دقائق حياته- أنني سأنجح في الحساب، إذا ما تعلق الأمر بعدد
"حبيبات"الربيعي. إن هذا الأمر يدعوني إلى التبسط قليلا، فالانطباع
العام الذي يوحيه شعر الربيعي منذ كتاباته الأولى وحتى الآن، هو أننا
بإزاء عاشق محبط لا يقل مأساوية عن أي من عشاق التاريخ! إلا أن ما يفرق
عبد الرزاق الربيعي عن هؤلاء العشاق أنهم أفنوا حياتهم واستنفدوها في
قصة حب واحدة. أما عاشقنا الربيعي فقد كان مثله مثل من يخرج من المقلاة
ليقع في النار! فقصص حبه مختلفة طريفة أحيانا ولكنها حزينة النهاية في
الغالب. وحبيبات الربيعي لا يجمع بينهن قاسم مشترك وفي أحيان كثيرة لم
تقم هذه العلاقة أو تلك على رغبة مشتركة أو على أساس الاختيار الحر!
وكان ما يحصل أن يجد الربيعي نفسه متورطا بشكل أو بآخر بعلاقة لا يجد
منها فكاكا إلا بعد أن تستنفد عصارة أعصابه! عاش عبد الرزاق تجاربه
العاطفية بشكل مبكر نوعا ما. ومع إن جميع التجارب التي خاض غمارها قد
آلت إلى فشل ذريع واختفت من كن حبيباته تباعا إلا أنهن خلفن في كيان
الشاعر طاقة من الضوء الشعري الذي لا أظن أنه سيستنفد بنفس سرعة دخولهن
إلى حياته الحالكة!
في فترة ما من تاريخ حياته كان الربيعي يعيش قصة حب"غير معلنة". كانت
فتاته في سفر إلى الخارج لبضعة أيام. في يوم عودتها كان عاشقنا "يلوب"
كاللديغ. اقترحت عليه أن نقوم بجولة في شوارع بغداد. كان عبد الرزاق
يتطلع إلى ساعته كل دقيقة تقريبا. حين تيقن أنها في البيت الآن
بالاعتماد على توقيت قلبه طلب مني أن نتجه إلى هاتف عمومي للاتصال بها.
وضع بارتباك كبير قطعة النقد... أدار قرص الهاتف... أصغى بكل قنوات
أحاسيسه... فجأة: انطلق من حنجرة عبد الرزاق دوي أقسم أن "جبال
نجد"رددت صداه! كان صاحبنا قد لفظ اسم فتاته في ذلك الدوي! مما تسبب في
سريان قشعريرة شديدة في كياني كله لإحساسي بكمية الحب التي ينوء بها
عبد الرزاق. كانت المفاجأة الثانية لي حين رأيت صديقي"ينطفئ" كما لو
أنك سكبت ماء على جمرة مستعرة! ظل يواصل بروده- انطفاءه حتى" مع
السلامة!". وحين عاد إلي من تلك المعمعة سألته متلهفا: ما الذي حصل؟!
أجاب مهيضا: أجابتني بكل برود "هلو..شلونك.."......
على أن أطرف ما في قصة الحب غير المعلنة هذه حين قصد أحدهم عبد الرزاق
ذات يوم طالبا منه "مشورة عاطفية" تتعلق بتلك الفتاة فهو يميل إليها
بشكل جنوني لكنه لا يعرف كيف يجتاز حاجز الخجل الذي يمنعه من"إعلان
حبه" لتلك الفتاة التي يعتقد- طالب الود الجديد- أن عبد الرزاق تربطه
بها علاقة صداقة وطيدة يمكن أن تفتح له أبواب الحب الموصدة!
قصة الأمعاء الخاوية
من بين العادات التي دأب عبد الرزاق على التعايش معها براحة كاملة، هي
عدم ترك نفسه يقع في قبضة الحاجة إلى الآخرين ماديا. لقد كانت تمنعه
تحفظات كثيرة من " الاستدانة " حتى وان كان الأمر يتعلق بمبلغ بسيط.
على الرغم من إيمانه بان ( الدنيا يوم لك ويوم عليك )، ورغم ان جيبه
كان مفتوحا دائما للأصدقاء، كما أشرنا إلى ذلك في موضع آخر. كان ذلك
حتى اليوم الذي وجد عبد الرزاق أمعاءه خاوية لعدم وجود ما ينفقه لشراء
أي شيء يسد رمقه! كان لذلك قصة طريفة، نلخصها كالتالي:
كانت هناك مصادفة عجيبة جمعتنا، عبد الرزاق وأنا، في " مركز تدريب
عسكري " واحد لاداء الخدمة العسكرية الإلزامية، بعد أن انهينا دراستنا
الجامعية .
كان معسكر التدريب يقع في إحدى ضواحي مدينة الموصل، مما سهل علينا "
النزول " إلى المدينة للمبيت فيها ثم التوجه صباح كل يوم لتلقي
التدريب. كانت فترة بعد الظهر ملكنا ولنا حرية التصرف بها بشكل كامل،
مما أتاح لنا فرصة عظيمة للتعرف عن كثب على هذه المدينة المكتنزة
بالتاريخ والإبداع، خاصة وإنني امتلك بعض مفاتيحها، إذ سبق لي أن أقمت
فيها مدة أربع سنوات للدراسة في جامعتها. كانت إحداثياتنا اليومية
تتوزع بين لقاءات مع مبدعي المدينة أمثال : ذو النون الاطرقجي، عمر
الطالب، فاتح عبدا لسلام، مزاحم علاوي، نجمان ياسين، عبد الجبار
الجبوري، فيصل القصيري، بشار عبد الله، المرحوم محمد البياتي، وليد
الصراف، هشام عبد الكريم، ادهام محمد، عمار احمد عبد الباقي، هلال
محمد، رعد فاضل، جاسم الرصيف، محمد بدر الدين، محمد صابرعبيد، وغيرهم
من الأصدقاء الذين زلت ذاكرتي عن ذكرهم، وهو أمر يشعرني بالأسف. أما
فائض الوقت فقد كنا نوزعه بين ارتياد السينما ( يحدث أحيانا أن نشاهد
فلمين أو ثلاثة أفلام في يوم واحد !) وبين الاستمتاع والتلذذ بطعم
الحلويات الموصلية الشهيرة أو زيارة متاحف المدينة وآثارها.
ذات يوم لا يغيب عن الذاكرة، وجدنا أنفسنا مفلسين تماما وليس في جيب أي
منا شروى نقير! كانت نهاية الشهر بعيدة المنال لاستلام المرتب و ما كان
بإمكاننا النزول إلى بغداد حيث لم يحن موعد الإجازة الدورية بعد! لم
يكن أمامنا على الإطلاق سوى أمر واحد: أن نستلف مبلغا يقيم أودنا من
أحدهم! وشخصيا لم تكن لدي مشكلة بهذا الخصوص طبقا للظروف المعقدة التي
مررت بها والتي جعلت "الاستدانة" أمرا لامناص منه! وكانت أمامي فرصة
لجعل عبد الرزاق يتفهم ويجرب ما لم يعرفه أو يجربه من الجوانب الأخرى
للحياة. كان الوقت عصرا، وكان جسمانا مازالا يعانيان من اثر التدريب،
وقد بدأت بوادر الجوع تنشر طلائعها في الأفق! قلت لعبد الرزاق بأنني
ساكون أول من يحاول، فان لم أوفق ستجرب حظك أنت أيضا. اتفقنا على
الشرط. كانت خطتنا أن نقوم بجولة "قنص" في واحد من أهم شوارع المدينة.
كان أول من إلتقيناه صديق مشترك لكلينا وهو أحد مثقفي الموصل. سر الرجل
كثيرا لمرآنا؛ لكننا لم نكن في الوضع النفسي المناسب لمبادلته نفس
المشاعر؛ خاصة كون العلاقة بيننا لا تسمح بالذهاب إلى حد "الاستدانة"!
أصر الرجل على اصطحابنا إلى أقرب "حانة" لتمضية بعض الوقت حول كأس
بيرة! كانت اللياقة تقضي بمصاحبته. حين استقر بنا المقام طلب هو لنفسه
شيئا من البيرة واعتذرنا نحن مكتفين بكأس ماء مثلج! وما هي إلا عشر
دقائق حتى وجدنا الرجل يشرق ويغرب في الحديث، وحدث اشتباك شديد بين "فوكو"
و"بارت" وأخذ "دريدا" بخناق "سوسير"و...و...وجدنا أنفسنا مضطرين
للانصراف لأننا وصلنا حافة الإنهاك! واصلنا طريقنا مع الدعاء أن لا
نلتقي من لا نريد أن نلتقي! بعد جولة مضنية ولقاءات سريعة مع بعض
المعارف على قارعة الطريق، كان القدر قد وضع في طريقنا صديقنا الشاعر
رعد السيفي، الذي كان وجد نفسه مضطرا للانخراط في دورة نائب عريف! لا
أذكر الآن ما الذي حدث بالضبط، لكنني أتذكر أنه أمدنا بما ينفع إلى حد
ما لتهدئة جوعنا تلك الليلة. قلت لعبد الرزاق ذلك المساء أن جاء دورك
الآن، ومن حسن الحظ أن معك "جارك الجنب" في بغداد، وهو جندي مكلف مثلنا
في نفس المعسكر، ويقيم معنا في نفس الفندق، فعلينا به! توجهنا معا إلى
الجار، ولم يتلكأ عبد الرزاق في طرح الموضوع، فقد حولناه إلى طرفة!
اعتذر الجار لنا قائلا إنه لا يملك سوى "خمسة دنانير!" ولا يريد أن
يفرط بها! كدنا عبد الرزاق وأنا أن نصعق حين سمعنا اعتذاره ثم إعلانه
المبلغ"الضخم"الذي بحوزته! تركناه ونحن نغلي غضبا وخيبة حنقا لبخله!
وعدم مراعاته لمتطلبات الجيرة. ولم ينته موضوع هذا البخيل عند هذا
الحد، فقد قررنا، عبد الرزاق وأنا، عدم الذهاب إلى المعسكر صباح اليوم
التالي لعدم وجود أجرة السيارة التي تقلنا إلى هناك، وحين عرف "ذلك
الجار"بقرارنا أعلن أنه سيتغيب عن المعسكر هو الآخر، رغم عدم وجود ما
يبرر ذلك. عند حوالي الساعة الثامنة صباحا جاء جار عبد الرزاق إلى
غرفتنا طلبا لمساعدة! إنه يريد أن "يفطر" لكنه يخاف من أن يمسكه
"الانضباط العسكري"! وماذا كان يريد هذا الجار منا يا ترى؟ كان يريد "
مني" أن اذهب معه إلى السوق ليشتري شيئا لفطوره. تبادلنا عبد الرزاق
وأنا النظرات متفقين سرا على أن "خطة"الجار هي أنه يريد أن يدفع عن
فطورنا ولكن بطريقة تحفظ ماء الوجه! وقد استبشرنا خيرا وقلنا أن أمر
وجبة هذا الصباح قد حل والحمد لله ! ارتديت ملابسي المدنية وانطلقت مع
الجار لأدله على المكان المناسب الذي يمكن أن يشتري فطوره منه. حين
وصلنا المكان، طلب الجار من البائع "قطعة واحدة" من الجرك (وهو نوع من
المعجنات) وقال أنه سيتناولها في الفندق ليكون بعيدا عن عيون
"الانضباط"، وحين عدنا إلى الفندق ودعني شاكرا حسن صنيعي!! أخبرت عبد
الرزاق بما حصل، وانخرطنا في موجة ضحك كادت أن تقضي علينا! فقد وصل هذا
الجار في البخل وانعدام الحس حدا ما بعده شيء! حين توقفنا عن الضحك
كانت فكرة ما قد خطرت ببالي! طلبت من عبد الرزاق أن يرتدي ملابسه
المدنية، وحين فعل قلت له: سنقوم بمغامرة تتطلب العض على النواجذ! قال:
وما ذلك؟ قلت سنذهب إلى "الجامعة" مشيا على الأقدام! ومن يعرفون
المسافة من "باب الطوب" مركز المدينة إلى جامعة الموصل، سيقرون أنها
مغامرة كبيرة، خاصة إذا ما أضيف إليها بعدا يتعلق بأمعاء خاوية!
انطلقنا في رحلتنا الطويلة، مع محاولة سلوك أقصر الطرق. كنا نمشي حتى
نتعب، ونستريح حتى نشعر بضرورة المواصلة! لا أتذكر الآن كم استغرقت
رحلتنا؛ ولكنني أتذكر أننا وصلنا بعد الظهر. توجهنا على الفور نحو مكتب
صديقنا " د...."، وهو أستاذ في الجامعة، وقد تهللت أساريرنا حين وجدناه
هناك. رحب بنا "صديقنا الحميم" غاية الترحيب وبعد أن تجاذبنا أطراف
حديث قصير؛ فوجئنا به يقود الحديث إلى منطقة في غاية الحساسية! فقد
اندفع صديقنا الدكتور بالحديث عن"ظروفه المادية"السيئة والفواتير
العالية و...و... ! لم نصدق ما سمعناه طبعا، ولم نكن متأكدين إن كانت
وجوهنا تقرأ ككتاب مفتوح! غادرنا صديقنا الحميم جدا، والذي لم نجد بدا
من مقارنته بذلك "الجار"العزيز! بعدها كان أول من وقعت عليه أعيننا من
الأصدقاء هو بشار عبد الله. هتفت به من أقصى أعماقي !
وحين دنا وحيينا بعضنا، قلت له "سلمنا كل ما في جيبك من نقود!" قال
دعكم من جيبي فهو خال، ولكن قولوا كم تريدون؟ قلت عشرة دنانير دون
نقصان! قال اتبعوني بسرعة قبل أن يخرج "مصعب" من الجامعة! حين وجدنا
مصعب بعد دقائق من البحث، اختصرنا التحية إلى ما توجبه اللياقة فقط،
بعدها استخرجنا المبلغ المطلوب من جيبه وودعناهما، بشار ومصعب، على أمل
اللقاء بعد ساعتين. بعدها وجدنا أقدامنا تقودنا بشكل آلي إلى أقرب
مطعم! كان أول شيء فعلناه، حين التقت عيوننا ونحن نجلس متقابلين؛ أن
انخرطنا في موجة ضحك عاتية! مما كان كفيلا بغسل ما لحق بنفسينا من
أدران اليومين الماضيين؛ لنبدأ بعدها التدقيق في قائمة الطعام !
الطرد من الجنة
يجدر بي أن أنوه هنا إلى أن الهدف من هذه الإحتفائية المقتضبة ليس مجرد
سرد قصة حياة صداقتنا، عبدالرزاق وأنا، فهذا يحتاج إلى كتاب مبوب، إنما
كان القصد إضاءة بعض الجوانب من شخصية صديق شاعر اختط لنفسه، عبر
الاجتهاد والمثابرة الكبيرين وعبر الإخلاص العميق للحياة والشعر؛ موقعا
متميزا على خارطة الشعر العراقي الحديث. ومن هذا المنطلق، فإنني حين
مددت يدي لأرشيف صداقتنا انما كنت مترددا بخصوص حجم المسموح إعلانه من
خصوصيات الشاعر، بحكم أنني لست بصدد كتابة سيرة حياته، وهذا أولا. أما
الأمر الثاني الذي أود تبسيطه قليلا فهو: إنني أستعين بملاحظاتي العامة
واستنتاجاتي الخاصة، من خلال التعامل مع شخصية الربيعي الذي بدا لي كأي
عمل فني إشكالي؛ لطرح وجهة نظري حول نظرية "موت المؤلف" التي أعارضها
تماما وأرى أنها ألحقت بالإبداع ضررا بليغا. وقد أذهب في شكوكي حد تصور
أنه كانت هناك شبه "مؤامرة" تم من خلالها "طرد" المؤلف من "جنته"
وإقصاؤه إقصاء تاما، ليكون "الناقد" قيما عليها، في أكثر الحالات
شفافية، أما في الغالب فيتم استيلاء الناقد عليها استيلاء محكما، ولا
يضيره في أي شيء أمر إعلان "ملكية " – جنة - عمل المبدع. إن هذا هو
الذي حصل بالضبط، فبعد أن حيل بين العمل الإبداعي ومنتجه صار هذا العمل
ملكا مشاعا للجميع. إننا نريد التأكيد على أن هذه الإزاحة القسرية التي
تمت، إنما استهدفت "بيئة" إنتاج العمل الفني بكامل عناصرها. ولكي أدلل
على صحة ما ذهبنا إليه أشير إلى بعض الأسماء الساطعة في عالم الإبداع
مثل: المتنبي، عروة بن الورد، نيرودا، لوركا، بيكاسو، دالي، بريتون،
بيتهوفن، موتسارت، دافنشي، طاغور، السياب، دنقل، ...الخ، فهل يستطيع
ناقد، مهما علا كعبه في النقد، أن يقرر: أين تنتهي حياة هؤلاء
المبدعين، وأين يبدأ إبداعهم ؟ وهل تستطيع أية مدرسة نقدية من تعويض
النقص الذي يخلفه غياب المنتج ؟ وهل سيهدأ لنا بال، نحن المتلقين، حتى
نقف على " السر " الذي يقف وراء " ابتسامة الموناليزا " الغامضة؟ ومن
كانت الموناليزا؟ وهذا يعني، فيما يعنيه، إن الموناليزا، كعمل فني،
بحاجة إلى مسوغ آخر حتى يتم تحققه النهائي: دافنشي! وهذا مثال آخر في
نفس الحقل والاتجاه: ظلت لوحة "المرأة الباكية " مجرد عمل من أعمال
الفنان المبدع بيكاسو، ومجرد امرأة منهمرة الدموع. لكن أن تعرف عن
خلفية هذه اللوحة، وإن بيكاسو التقى هذه المرأة، للمرة الأولى في مقهى،
وإنه رآها تبري أصابعها بسكين حادة تجعل الدم ينبجس انبجاسا، " ينقض "
عليها بيكاسو كصقر يعرف قيمة " طريدته " ! تستتب بينه وبين " ك دورا
مار " وهذا هو اسم صاحبة اللوحة الحقيقي، علاقة ولا اغرب: كان بيكاسو
في غاية السادية معها. فهو لا يسمح لها بالخروج من البيت حتى يتصل بها
هاتفيا ليخبرها إن كان يحتاج إليها أو أن بإمكانها الخروج لشان ما.
وحين يكون معها يبدأ تعذيبها حتى تتفجر دموعها بكاء! حينها يمسك بيكاسو
"عدة الشغل " لرسمها، وان ما لدينا الآن من لوحات رائعة، إنما تعود
لتلك "المرأة الباكية "! بل إن "الجورنيكا " إنجاز بيكاسو الذي يعد
واحدا من أهم الأعمال الفنية في القرن العشرين، إنما تتوسطه تلك المرأة
الباكية ذاتها! إن هذا يحيلنا إلى العلاقة بين " المتن " و"هامشه "
فالمتن هو كون مغلق وهو بحاجة إلى شيء ما يمكن أن يمنحه بريقه، انه
الهامش، الذي هو في أحايين كثيرة يمتلك سلطة المتن! وكائنا ما يكون،
فإننا لسنا مع من ينظر إلى العمل الإبداعي على انه كيان مادي متبلور،
بل نؤكد "عضويته " واتصاله الحيوي بمنتجه.
صورة شخصية
إن جميع من عاشروا الربيعي لمدة كافية، بل حتى الذين تعرفوا عليه لوقت
قصير، يتكون لديهم الانطباع التالي: انه اجتماعي من طراز خاص، ذو مزاج
مرح، سريع البديهة، حاضر النكتة، يستجيب إلى الدعابة تلقائيا، يقهقه
عاليا بشكل ملفت للنظر، يميل في حديثه إلى الاستفاضة ويحب الاستطراد،
محاور جيد كما هو مصغ جيد، وبالإضافة إلى ذلك فانني أؤكد التفاصيل
التالية :
يحتفظ عبدالرزاق بشبكة علاقات صداقة مختلفة لا أول لها ولااخر! وفي
الكثير من الأحيان كانت هذه العلاقات عبئا ثقيلا عليه. يحظى بتقدير
عائلة كبيرة العدد، فقد أسهم بتقديم العون للعائلة بكافة أشكاله، وعلى
سبيل المثال: كان يقدم لهم عونا ماديا منذ أن كان طالبا في الجامعة،
كان يؤمن لهم بعض العون من خلال عمله في "دار ثقافة الأطفال " التابعة
لوزارة الثقافة والإعلام، وكذلك نشاطه الصحفي ومكافآت نتاجه الشعري
المنشور في الصحف والمجلات العراقية والعربية. وبعد تخرجه من الجامعة
كان ناجحا مهنيا: فقد كان صحفيا متميزا من خلال عمله محررا في صحيفة
"الجمهورية " ومجلة " أسفار " بالإضافة إلى عمله مراسلا للعديد من
الصحف والمجلات العربية، وان مسالة الذهاب إلى السوق لشراء أي شيء من
الكماليات لهو من اكثر الأشياء إزعاجا له! ولو حدث فعلا وماشى عبد
الرزاق آخر أساليب الأناقة , يظل مع ذلك من الصعب تصوره من دون "
بنطاله الجينز " العتيد! لكن مقابل هذا الإهمال، الذي قد يراه من لا
يعرف عبد الرزاق جيدا ناتجا عن البخل، فقد كانت يده دائما مبسوطة
لأصدقائه، خاصة الصعاليك منهم، والذين لا يترددون أبدا في أن يطلبوا
منه مصروفا يكفي ل " سكرة كاملة " في نادي اتحاد الأدباء!
الشاعر الحزين
إن ما أردت الوصول إليه هنا إن جميع هذه المعطيات مجتمعة يمكن إن تشير
إلى شخص متوازن مستقر، وسعيد، لكن حقيقة الأمر هي في غير هذا الاتجاه!
إذ أن جميع هذه الخصائص النفسية والنشاطات الشخصية لم تمنع ولم تشفع
للربيعي، حين يخلو بالورقة، من أن يتحول إلى كائن آخر، كائن حزين وحبط
ووحيد ! وكأنه يتمثل قول الشاعر العربي القديم:
اقضي نهاري بالأحاديث والمنى ويجمعني والهم بالليل جامع ُ
إننا لنستعرض عناوين كتبه على التوالي فنطالع: إلحاقا بالموت السابق،
حدادا على ما تبقى، جنائز معلقة، ونحاول أن نضم هذه العناوين إلى بعضها
فيكون الأمر، رياضيا، في غاية السهولة، لوجود القاسم المشترك بينها:
الموت! فالشاعر بعد أن انتهى من "الحاقاته" المتكررة بموت سابق، أوقف
حياته "حدادا" على ما تبقى، أي انه أطلق "حزنه " على المستقبل أيضا،
الذي لم يكن سوى "جنائز معلقة" على حبال مفتولة من صراخ وعويل وأنين
تمتد من أعماق أول خراب حل ب" زقورة أور" وحتى تاريخ إطلاق آخر صاروخ
وجهه "الحلفاء" على ما تبقى من قامة تلك الزقورة التي تطاول الزمن!!
لقد نمت ثيمة "الحزن" وترعرعت في عالم الشاعر حتى أصبحت مهيمنته الأكثر
مركزية على الإطلاق. وأكاد أكون واثقا من أن ثلاثة مصادر، على الأقل،
هي المسؤولة عن تشكيل هذه الغلالة القاتمة من الحزن:
أولا – وعي الشاعر لكثافة وضخامة حجم المأساة في التاريخ العربي، وهذا
ما نراه في قصائد مثل: منفى – أغنية غفارية، دمية اشور، السفينة، مقتطف
من طوق الهدهد، يقول لصاحبه، نبوءة الدب الأكبر،سنين يوسف، حاشية
لليعقوبي في باب الردة، طريدة ديانا (حدادا على ما تبقى )، نوح-طبعة
معدلة، سميراميس، رؤى جديدة على طاولة يوسف، سماء متحركة، خطوط، على
مائدة الملك الضليل، سد مأرب، ذاكرة الألوان، هو الذي رأى ( جنائز
معلقة ).
ثانيا – الظروف والمتغيرات السياسية التي كانت تعصف بالعراق والبلاد
العربية، منذ الستينات وحتى الوقت الراهن، من انقلابات وانقلابات مضادة
وسحل وقتل وانتهاك أعراض واغتصاب سيادة وضياع هوية وأكاذيب وذل وحروب
وهزائم وتدمير ثروات ووقوف طويل بأبواب اللئام و...و... وكل هذا قد
ألقى ظلالا قاتمة على الحس والوعي العربي برمته.
ثالثا – ظروف الشاعر الشخصية والعائلية. ولأنه لا يجوز لنا الخوض في
خصوصيات الشاعر، لذلك يهمنا الإشارة فقط، إلى أن ظروفا بالغة السوء قد
ألمت في محيطه العائلي، وكذلك في محيط صداقاته، وكانت كل هذه الأحداث
الجسام تحفر عميقا في قلب الشاعر الرقيق، وكانت في كل مرة تطوح به
بعيدا بعيدا خارج المدى!
التاريخ في مرآة الشعر
يتجه هذا القسم من الإحتفائية إلى محاولة اقتفاء أثر الشاعر في واحدة
من أبرز الظواهر في شعر عبد الرزاق ألا وهي ظاهرة "التناص" مع "المدونة
التاريخية". فمن خلال مسح سريع للنصوص التي يتكون منها " جنائز معلقة
"، يبدو وبما لا يدع مجالا للشك أن الربيعي يعول على ذاكرته
كثيرا...وهو يمتلك ذاكرة صاخبة عمرها آلاف السنين، يستثمرها الشاعر
بأساليب مختلفة ولكنها تصب في الغالب في خدمة الشاعر ومؤازرته في محنه
خلال تعامله مع الحاضر المرهق. إن رحلة "التناص" تبدأ من العنوان، الذي
هو "العتبة" ( بلغة الناقد اللماح حاتم الصكر )، فما هذه "الجنائز
المعلقة" سوى صيغة محورة عن مدونة تاريخية هي صيغة "الجنائن
المعلقة"البابلية، إحدى عجائب الدنيا السبع. إذن فإن هذا الإعلان أو
اللافتة المرفوعة على غلاف الديوان ما هي في حقيقتها سوى دعوة موجهة
إلى القارئ بأن حضوره يستدعي الانغماس في مناخ التاريخ وتشابكاته،
ولهذا يمكن اعتبار "جنائز معلقة" عنوانا إشاريا، أكثر منه إيحائيا.
إن المفارقة الكبيرة التي يخرج بها المتأمل لهذا الديوان هو أن الشاعر
وجد "مخلصه" لا في المستقبل، كما قد شاع وأصبح سمة من سمات الشعر
العربي الحديث؛ بل في الماضي، ولهذا نجد الشاعر يكثر من استدعاء
الماضي، ويسند إليه المهام ما لا يقوى الحاضر أو المستقبل على إنجازها.
إن الحدوثات الشعرية غالبا ما تنجز لدى الشاعر كإنعكاس لصيغة من صيغ
الميكانزمات التي نحاول الاقتراب منها ما أمكن بعد قليل. ووفق هذا
المنظور، فإنه، لكي تولد قصيدة لدى الشاعر؛ لابد حينئذ من توفر الحاضنة
المناسبة، وهذه الحاضنة قد لا تبتعد كثيرا عن ظروف الخضوع أو التقمص أو
الاندماج. وسنعرض لهذا في المقاربات التالية:
قد يحدث أن يقع الشاعر تحت قوة جاذبيه إحدى "المدونات " التاريخية،
وحينها تنتفض مخيلة الشاعر وتفيض تلقائيا كما يحدث تماما لأي بحر أو
محيط حين يقع في تماس الجذب مع القمر. إن الشاعر لا يجد بدا من تمرير
ضغط التاريخ لإحداث ارتطام ما نتيجة لتماسه مع احتقان الواقع، لتولد
بعدها قصيدة مشتعلة، محققة دورتها الشعرية الكاملة، وكلما أوشكت على
البوح أوقفها إصبع يومئ ومرارة تصيح !
"..........
- جلبت الخيول ؟
أأحضرت حزن المسافات؟
ودعت صمت القبور ؟
..........
- إذن قرب الليل
علقه في كتف بزتك العسكرية
قل للبرية " مأرب " مات
فيا أيها " الأزد "
هيا نفرق أشواقنا
تحت أفق البسيط
ما دامت الريح عكس اتجاهاتنا " ( حوار غير منشور مع مالك بن فهم الأزدي)
وبعيدا عن الجانب السردي الثر الذي يتعلق بسيرة " مالك بن فهم الأزدي
"، إحدى الشخصيات المعروفة في التاريخ اليمني الوسيط؛ فإن هذا المقطع
الصغير الذي التقطناه من نص طويل، هو نص مغلف، مكتنز بالدلالة، وكان
لابد لنا من اللجوء إلى تقنية التأويل لمحاولة فك شفراته. فحين يقول
الشاعر " قرب الليل"، أكان يحاول أن يبني جدلا متساوقا مع نص آخر قادم
من مجرة التراث المضيئة:
" قربا مربط النعامة" مني لقحت حرب وائل من حيالي
لا بجيرا أغنى قتيلا ولا رهط كليب تزاجروا عن ضلال
لم أكن من دعاتها علم الله وإني بحرها اليوم صال (الحارث بن عباد)
وسنعمد الآن إلى إجراء هذه المعادلة الرياضية البسيطة:
لنجد أن " قربا مربط النعامة " يقابلها " قرب الليل"، وبحذف الفعل
المشترك "قربا" الذي تشير صيغته إلى مخاطبة المثنى حسب أسلوب متبع في
الشعر العربي القديم، وحذف الفعل "قرب" من تركيب الشاعر، يبقى لدينا من
المعادلة الآتي:"مربط النعامة "التي يقابلها عند الشاعر "الليل"، ولما
كانت مفردة "مربط" لا تنوء بمسؤولية حقيقية، ولا يؤثر غيابها في احتدام
المشاعر وجيشانها، فبالإمكان حذفها، لتتم بعد ذلك المقابلة بين
"النعامة"و"الليل"، فأما معنى "النعامة" فهو كنية فرس الشاعر، وإذن فإن
ما تبقى من المعادلة يكون بين "الفرس" و"الليل"، ليتخذه كل من الشاعرين
وسيلة للقيام بفعل عاجل وضروري.
ولا نستطيع المضي قدما على هذا المنوال لتفكيك الشفرة في السطر الثاني
"علقه في كتف بزتك العسكرية" فالإشارة هنا يصاحبها الإبهام وتكاد أن
تكون الصلة مقطوعة، لكننا نقترح قراءتها كالتالي: لو كان الشاعر قال "
علقه في كتفك "، لهان الأمر ولافترضنا أنه يشير إلى "السلاح"، لكن وجود
"بزتك العسكرية" أبعد هذا الافتراض، وجعل "المرموز به" يخرج من دائرة
"المادي" إلى أفق "الرمزي". فهل قصد الشاعر أن "علق الليل"، الذي هو
كناية "الظلام"، الذي هو أسود اللون، ليقول "علق السواد على كتف بزتك
العسكرية"، وقد خص الشاعر هذا "الكتف" كونه من بين أرفع المواضع في جسم
الإنسان، لذلك نجد العسكريين يضعون عليها شاراتهم ونجومهم ونسورهم
ونياشينهم وأوسمتهم، فهل "السواد" الذي يقترحه الشاعر إنما هو رمز
"الحداد" لموت جليل الشأن يمثله موت "مأرب "، ذلك السد اليمني الشامخ
الذي تسبب وجوده في قيام حضارات عملاقة، وتسبب انهياره- موته في أن كل
شيء قد آل إلى الزوال في ما كان يسمى ب"اليمن السعيد"، وقد تفرق ذلك
الشعب الضخم في جميع الأنحاء حتى ضرب بهم المثل فقيل "تفرقوا أيادي
سبأ"، ودليلنا أن الربيعي يستعير مناخ هذا المثل في سطر لاحق وهو قوله:
" هيا نفرق أشواقنا
تحت أفق البسيطة
ما دامت الريح عكس اتجاهاتنا "
إنني أود التركيز هنا على الضغط الذي يمكن أن تسلطه مدونة ما، محدثة
انجذابا يكون من نتائجه على الشاعر ما يمكن أن نسميه ب"الترحيل". وقد
نجح الربيعي في تحقيق "الترحيل الإيجابي"، بمعنى أنه استطاع اختراق
المدونة من جانبين: زمانيا، فهذه المدونة تعود إلى الآلاف من السنين،
ومكانيا، حيث أن بيئة "سد مأرب "هي ليست بيئة الشاعر، وبالتالي قد لا
يشكل انهياره نفس الثقل الوجداني الذي يشكله هدم "زقورة أور"مثلا، التي
يلتحم معها الشاعر بيئيا. أما الهدف الذي كان الشاعر يسعى إلى الوصول
إليه فهو ما نتج عن انهيار السد العملاق وتمثل في هجرة اليمنيين
القدامى وتفرقهم في الأنحاء. لقد تجلت براعة الربيعي في ترحيل هذه
المدونة وجعلها في حالة تماس وتواز شفافين مع مجريات الواقع، هذا
الواقع المرير الذي من انعكاساته أن جعل العراقيين يتفرقون "أيادي
سبأ"، متوزعين المنافي والمغتربات في جميع أرجاء المعمورة!
**************
وقد تنتج القصيدة "إسقاطيا"، حيث يعمد الشاعر إلى استعارة العام
وتوظيفه في خدمة الخاص أو عكس ذلك. إن الشاعر في هذه الحالة يعمد إلى
تقنية تقوم على آلية التجاذب والتنافر بين العناصر التاريخية والشخصية
لإنتاج الطاقة الشعرية. لننظر في هذا المقطع المجتزئ من قصيدة" نوح-
طبعة معدلة":
" حين أنخت شريدا راحلتي
ورأيت الأرض بنا عكس القلب تدور
سحبوا صوتي من أذنيه
وقالوا : ياما قلنا لك
حين ارتفع الموج
وفار التنور
اركب وطنا رطبا
لكنك قلت : سآوي عاصمة تعصمني
زمنا بور... "
يتوجه الشاعر، في هذا النص، إلى المدونة القرآنية. وعمل الشاعر يتركز
على ما ينتج عن "الإزاحة"و"الإحلال" بين عناصر تجربتين يفصل بينهما حين
طويل من الزمان. المشترك الوحيد بين الشخصيتين ( وسنشير إلى ابن نوح
بتسمية "المنادى الأول"، وإلى الشاعر ب"المنادى الثاني")، هو وقوع كل
منهما تحت قوة ضغط طاردة أو جاذبة. في المدونة القرآنية يطلب من
المنادى الأول "الرحيل"من خلال الالتحاق بسفينة أبيه للنجاة من
الطوفان، لكن ابن نوح يخالف النداء قائلا "سآوي إلى جبل يعصمني". أما
في حالة "المنادى الثاني" فيطلب منه"المكوث" في وطنه رغم ما فيه من
هشاشة ورثاثة حال، لكنه يخالف الدعوة، هو الآخر، مقررا"الرحيل" بقوله
"سآوي عاصمة تعصمني". إن الخلاصة التي نتحصل عليها من التجربتين هي:
الندم! فأما الأول فقد قاده عناده وإصراره على" المكوث" إلى مواجهة
المصير الذي تقرر في المدونة القرآنية (لاعاصم اليوم من أمر الله إلا
من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين). أما ندم الثاني فيتجلى في
قوله في مستهل القصيدة "حين أنخت، شريدا، راحلتي " التي تفيض ألما
وحسرة، فهو بعناده وإصراره على "الرحيل"، يكون إنما حكم على نفسه
بمواجهة قدره الذي تضمنه قوله "رأيت الأرض بنا عكس القلب تدور"، وهيهات
أن تجدي جميع عواصم الدنيا نفعا !
يمكننا القول هنا إن ما تحقق للشاعر يخرج من آفاق "الاقتباس"أو
"التضمين"أو "التوظيف" للنص القرآني ،وهذا ما يضطرنا إلى البحث عن
توصيف دلالي أكثر ملائمة وشمولية. ونعتقد أننا لا نجانب الصواب في
استنباط مفاهيم جديدة تنسجم مع الشكل التعبيري الذي اختاره الربيعي كي
يكون معبره الفني إلى نقطة الارتكاز. إن مفهومي"الإزاحة" و
"الإحلال"ربما يكونان من بين المقترحات التي تلبي مثل هذه الحاجة. لقد
أنجز الشاعر من خلال هذه "الفيزياء النفسية"الآتي :
إزاحة "المنادى الأول"-------- ابن نوح
إحلال "المنادى الثاني"--------الشاعر
إزاحة فعل "عقوق" المنادى الأول--------المكوث
إحلال فعل "عقوق" المنادى الثاني--------الرحيل
إزاحة "ملجأ" المنادى الأول-------- الجبل
إحلال "ملجأ" المنادى الثاني-------- عاصمة
وبهذا نتحصل على خلاصة مفادها إن الشاعر قد راهن على الطاقة الشعرية
التي تتحرر من التفاعل بين ما هو "تاريخي" وما هو "شخصي"، وهذا ما تم
له! ويبقى لدينا السؤال التالي: هل أراد الشاعر، بإصراره على "الرحيل"،
التكفير عن ذنب "ابن نوح"، حين أصر على "المكوث"؟!
**************
وفي هذه الحالة تولد القصيدة نتيجة للتطابق بين المدونة التاريخية
وسيرة الشاعر. وهذه التقنية هي الأكثر شيوعا في الديوان، وقد تجسدت في
نصوص مثل ( رؤى جديدة على طاولة يوسف، خطوط، على مائدة الملك الضليل،
هو الذي بكى )، ومن" هو الذي بكى "نجتزئ هذا المقطع الصغير للتأمل:
".........
- - علام تهيم على وجهك
في البلدان الثلجية
والحانات الرطبة؟
- - حلت نازلة الموت
ب"أوروك " النجمات الصيفية
- - وإلى أين تسير ؟
إن الآلهة "الأرضية"
قدرت الظلمات
على البشرية
- - لكنه هدم زقورة قلبي
أنجدني
يا شيخي القابع
فوق مصب الأنهار
على قصب الخلد
امنحني سر نباتات الضوء
يتجه الربيعي في هذا النص إلى إنشاء قصيدة متناصة مع مدونات من التاريخ
العراقي القديم، وبخاصة ما يتعلق منها بأدب البطولات والمراثي. إن
الرغبة في التناص مع مدونة أنتجها شاعر سومري قديم؛ لم يكن من قبيل
الصدفة، ولابد أن يكون هناك أكثر من سبب وراء هذا الاختيار. هناك:
"شاعر" "سومري" "يرثي" "مدينته" "المخربة"! فما الذي يعيق هذا:
"الشاعر" "السومري" الذي يريد أن "يرثي" "وطنه" "المخرب" ؟ لكن المسألة
لم تكن في غاية اليسر حقا، إذ لكي يحقق الشاعر ما يرمي إليه بإعلان
مأساته المعاصرة؛ كان عليه أن يستعير من مدونة "جلجامش" همه وتقاذفه في
الأنحاء بحثا عن أسرار الحياة والموت والخلود، ومن مدونات الخراب
السومري طقوس الندب والمراثي. ويمكننا بمنتهى اليسر الإشارة إلى أن "هو
الذي بكى " ما هو إلا بناء شعري متناص تضادا مع الصيغة البابلية التي
تتحدث عن جلجامش حيث أنه "هو الذي رأى". هناك سؤال في غاية الأهمية :
ما الذي جعل عبد الرزاق يسعى إلى استعارة مدونة أدبية بهذا المقدار من
الإنغراس والمثول في الذاكرة الجمعية، ليؤسس عليه نصه؟ وثانية نقول أن
الأمر أبعد من أن يكون صدفة، والأرجح أن الشاعر يركب جناح المغامرة في
كل الأحوال، وشفيعه في ذلك هو أن مغامرته محسوبة بدقة، وهذه حجتنا :
هو الذي رأى----------------هو الذي بكى
وبحذف المتشابه اللفظي من المعادلة، يكون الناتج:
رأى----------------------- بكى
لقد ذهب الربيعي حد استخدام العنصر نفسه الذي استخدمته المدونة
الجلجامشية للقيام بفعل "الرؤية"(ولا خلاف على أنها يمكن أن تساعد على
تحقيق المعنى الثاني "الرؤيا"، إن كان المقصود ذلك) وهو عنصر"العين"،
ليستخدمها الشاعر للقيام بفعل مغاير وهو "البكاء"، وهنا، يتضح سر
مغامرة الشاعر ورهانه:
يقول الربيعي :-
"علام تهيم على وجهك
في البلدان الثلجية
والحانات الرطبة؟ "
هذا سؤال ما أن تراه أو تسمعه حتى يتبادر إلى ذهنك جلجامش، الذي يعد
أول وأشهر وأعظم "هائم على وجهه"على الإطلاق. لكن الشاعر يحاول أن يضغط
قليلا على عجلة التفكير لكي يهيئ لتغيير مسار الأمور. وعلى كل حال
فالشاعر يلجأ ثانية للمناورة بإغراء القارئ وطمأنته بأن كل شيء على ما
يرام. أنظر كيف جاء الجواب على السؤال الأول :
"حلت نازلة الموت
ب"......"
بلا أدنى شك إن هذا شرك ينصبه الشاعر بذكاء، فإذا ما افترضنا أن
المتلقي على علم تام بان سبب "هيمان " جلجامش إنما كان موت صديقه ورفيق
حياته الأحب "إنكيدو"، وليس لأي سبب آخر؛ يكون الشاعر مهيأ تماما لغمر
المتلقي بمفاجأة ثانية، حين يواصل قراءة الجواب :
( حلت نازلة الموت
ب"أوروك")
وبوسع هذا المتلقي، إن كان متعجلا، أن يطبق دفتي الديوان ويضعه جانبا
قائلا: هذا مستحيل! والمتلقي الغاضب هذا على حق، إذ أن جلجامش البطل لم
يكن ليسمح بأمر مثل هذا، خراب أوروك تحت أنظار جلجامش؟ أليس هو من حارب
الآلهة أنفسهم وتغلب على ثورهم السماوي؟ أليس هو من وحد الممالك وفتح
الفتوح وقهر الأعداء وفتك ب"خمبابا" في غابة الأرز؟ كيف يمكن أن يسمح
بأن تمس "أوروك" بسوء! وواقع الأمر أن المشكلة لم تكن سوى "سوء تفاهم"
سببه الشاعر حين وضع "تحويلة" في مسار تسلسل ذاكرة المتلقي! هذه"التحويلة"
تمت حين حرف السياق من المدونة الجلجامشية إلى مدونة أخرى سومرية تتحدث
عن دمار وخراب "أور-أوروك". إن هذه الخلخلة التي أحدثها الشاعر إنما هي
جزء من "تكتيك"مغامرته مع المتن. ونقرأ في المقطع التالي هذا السؤال:
" وإلى أين تسير؟
إن الآلهة "الأرضية"
قدرت الظلمات
على البشرية"
وفي هذا السؤال يسلك الربيعي نفس التكتيك، فصيغة السؤال تشير إلى
جلجامش"الهائم". ويستمر السائل بالقول" إن الآلهة"الأرضية" قدرت
الظلمات على البشرية" وهذه الصيغة تذكرنا تماما بقول " صاحبة الحانة"
لجلجامش
" حين خلقت الآلهة البشر
قدرت عليهم الموت
واستأثرت لنفسها بالحياة"
إن هذا التحوير الذي أحدثه الشاعر على المدونة الجلجامشية يساعد في
تدعيم المقول الشعري الذي يسعى الشاعر لتشييده. وبإضافة هامش "الأرضية"
إلى المتن الأصلي؛ يكون هدف الشاعر قد اتضح، فالمقصود، إذن، ليس "الإيكيكو"،
وهم طبقة الآلهة في العالم العلوي، بحسب التصنيف اللاهوتي البابلي،
وإنما قصد الشاعر"الإيكيكي" تخصيصا، وهم آلهة العالم السفلي، أي البشر
المتألهون. وعلى نفس المنوال، فإن تحوير المتن "قدرت الموت" لتصبح عند
الشاعر "قدرت الظلمات" إنما لتشير إلى ما يشهده"أحفاد جلجامش"حاليا من
"ظلمات" متشابكة وأنفاق عائمة لا تؤدي إلى أي يقين. صيغة الإجابة على
التساؤل أعلاه ترد عند الربيعي كالتالي:
"...هدموا زقورة قلبي
والبيت الحالم..."
إن هذا البناء الشعري يشير بوضوح إلى مرجعيته وهي أدب المراثي
الرافديني، وقد وصلت إلينا مدونات نواحهم عبر قناتين: الجينات الوراثية
والرقم الطينية التي طبعوا عليها دموعهم الساخنة وأحزانهم المدوية. من
خلال هذا المقطع الصغير نستطيع تصور أن خراب "أوروك" كان شاملا، بدليل
أن معول"الهدم" وصلت حد "الزقورة"، وحين تهدم زقورة قوم فقد هدم عزيزهم!
أليس هذا ما حدث ل"أوروك" شاعرنا السومري المعاصر ؟
وإذا كنا قد طالعنا في المدونة الجلجامشية أن جلجامش قد توجه نحو حافات
المياه في رحلة طويلة وشاقة من أجل لقاء جده الخالد"أتونابشتم" ليطلب
منه المساعدة في كشف أسرار الحياة والخلود؛ فإن الربيعي يعيد الكرة بأن
يسلك الطريق ذاتها التي سلكها جلجامش من قبل، للقاء الجد "أتونابشتم"
حيث يقيم في ملكوته الخالد "فوق مصب الأنهار،على قصب الخلد" في إشارة
واضحة إلى أهوار جنوب العراق. لكن المطلوب سيختلف هذه المرة، إذ لم يكن
"الخلود" هو المقصد الذي يسعى إليه الشاعر، حين طلب النجدة من جده. إنه
يريد"سر نباتات الضوء"! لنتوقف للحظة للنظر ثانية إلى هذه ال"نباتات"،
ألم يرد في المدونة الجلجامشية أن جلجامش حصل من جده على "عشبة
الخلود"، على الرغم من أنه أضاعها في غفلة منه؟ فهل هي ذات "العشبة"
التي يطمح الشاعر في الحصول عليها؟ تكاد الإجابة أن تكون "نعم"، لكن ما
يردعنا عن اتخاذ قرارنا هو هذه ال"ضوء"التي ألحقها الشاعر ب"نباتاته"
فغيرت سير الجدل إلى اتجاه آخر. إن الشاعر يعرف بالضبط ما الذي هو
بحاجة ماسة إليه: "عشبة ضوء" لا "عشبة خلود"! فما حاجة الشاعر إلى
"نباتات الضوء"، يا ترى؟ هذا ما ستجيب عنه إعادة قراءة القصيدة والتوقف
عند قول الشاعر (إن الآلهة الأرضية- قدرت الظلمات على البشرية...)،
فالشاعر، إذن، معني بدحر هذه "الظلمات" التي تطبق على حياتنا، تماما
كما كان جلجامش معنيا بدحر"الموت" الذي نغص عليه حياته.
قبل الختام
صيف 2000، الولايات المتحدة
قبل أن أعلن ختام هذه الإحتفائية التي وضعتني في أجواء بهجة غامرة من
خلال التأمل الإستعادي لتفاصيل صديقي الشاعر المبدع عبد الرزاق
الربيعي؛ فإنني أود التنويه إلى بعض الملاحظات، وأولها : لقد اكتفيت
بالقليل من الشواهد بخصوص الوقائع الحياتية، التي تخصنا نحن الاثنين،
أو التي تخص الشاعر وحده، لأن الغرض من هذه المادة ليس العرض أو
الاستعراض، وقد أرجأت عرض الوقائع كاملة حتى يحين الوقت المناسب لذلك،
فشخصية عبدالرزاق مثيرة، مدهشة، تستحق التوقف عندها طويلا! ثانيا: كذلك
أعتذر لمروري السريع على الديوان والتوقف عند مدار واحد فقط من
المدارات التي تحلق فيها شاعرية الربيعي، وعذري أنني لست بصدد جهد نقدي
ونظري مكرس، إنما هو مدخل أولي ومحاولة لإضاءة الطريق إلى آفاق الشاعر
الرحيبة. ثالثا: لقد سبب لي عدم وجود أرشيفي الشخصي، وكذلك عدم وجود
المراجع والمصادر الضرورية عند متناول اليد؛ حرجا كبيرا، فقد تم
الاعتماد كليا على الذاكرة، باستثناء نسخة ديوان الربيعي، ولكن يبدو أن
للذاكرة زلاتها أيضا! رابعا: يسرني أن أوجه التحية لصديقي الربيعي
وأطلب منه الصفح إن وجدني أخطأت في التأويل أو قصرت في الحدس، وأشكره
لأنه أعادني، من خلال ديوانه الجميل، إلى أفق الكتابة
حقوق النسخ © بواسطة .::.كلكامش.::.
جميع الحقوق محفوظة.
- رجوع -
|