تخاف النشر الديجيتالي بسبب القرصنة واللصوصية


حاورها / عبد الرزاق الربيعي



الشاعرة فاطمة ناعوت :

أنا كلاسيكية وورقية حتى النخاع



شاعرة ومترجمة ومهندسة معمارية , وطفلة الشعر الحالمة , تلك هي الشاعرة فاطمة ناعوت التي حققت حضورا لافتا من خلال العديد من الغصدارات الشعرية
التي جعلتها تقدم في صدارة المشهد الشعري المصري الحديث

. تخرجت في كلية الهندسة قسم العمارة جامعة عين شمس. لها عشرة إصدارات ما بين الشعر والترجمات والنقد. تناولت تجربتَها بعضُ الأطروحات العلمية والأكاديمية. شاركت ومثلّت اسم مصر في العديد من المهرجانات والمؤتمرات الثقافية في مصر والوطن العربي والعالم. نشرت قصائدها ومقالاتها وترجماتها في العديد من الصحف والمجلات العربية والعالمية. تُرجمت قصائدها إلى العديد من اللغات الأجنبية. فاز مخطوط ديوانها الخامس "قارورة صمغ" بالجائزة الأولى في مسابقة "الشعر العربي" في هونج كونج لعام 2006 وصدر بالإنجليزية والصينية مطلع 2007. مثلّت اسم مصر في مهرجان الشعر العالمي بروتردام،

ومهرجان المتنبي العالمي بزيوريخ عام 2007. تكتب مقالات أسبوعية ثابتة في عدد من الجرائد العربية.

*قلت لي "الشعراءُ أطفالُ الله" ماذا تمثل لك الطفولة؟ وعلاقتها بالشعر والجمال والميتافيزيقيا؟

الطفولةُ هي إحدى مفردات الجمال في هذا العالم. الأطفال آلهةٌ صغار. بالمعنى الشعري للكلمة. كونهم بعدُ لم يُلوثوا بالمعرفة التي تُحدّ من سقف الخيال. ترجمتُ قبل أيام أسئلة وجهها أطفالٌ أمريكان لله، ونشرتُها في مقالي الأسبوعي "بالطباشير" بجريدة "الوقت" البحرينية. وفي حين بدت بعضُ الرسائلِ طفوليةً شديدةَ البراءة، وبعضُها جاء ضاحكا عابثا، بدت أخرى عميقةً ماكرة شديدة الإيغال الإشكاليّ والفلسفي، بل والسياسيّ أيضا. ولا عجب. فالجهل يفتح مدارك الإنسان نحو أقصى مدارج السؤال، عكس المعرفة التي تحدّ رؤانا بسقف الممكن والمنطق، فتنخفض هامةُ الأسئلة لتنضوي تحت خيمة المعلوم من الحياة بالضرورة. وحين قال النفّري "الجهل عمود الطمأنينة"، أظنه لم يعن فقط أن عدم المعرفة تريح بالك من التفكير في إجابات لأسئلة الوجود الكبرى ومن ثم تطمئن وتنام، على عكس ما يَأْرقُ الفلاسفةُ والعلماءُ، فيخاصمهم النوم وتنأى عنهم الراحة، بل أظنه قصد أيضا أن المعرفة تحدّ من أسئلتك وتقصّ من شطحاتها لأنك مقيّد بالنظرية ومكبّلٌ بالقانون. فلم يعد ممكنا أن تسأل (الآن) لماذا تدور الأرض عكس اتجاه عقارب الساعة؟ ولماذا ينير القمر ليلا؟ ولماذا تبدو السماء زرقاء؟ ولماذا تسقط الثمرة من الشجرة بدلا من أن تطير؟ لكن مَن يجهل يحق له أن يسأل "مطمئنًا" عمّا يشاء وقتما يشاء وعلى النحو الذي يشاء. لأنه يمتلك شيئا ثمينا يُفقدنا العلمُ إياه. الدهشة. والدهشةُ أصلُ الفرح ومصدر الإبداع الأكبر. لذلك الأطفال مبدعون كبار في أسئلتهم وفي رسومهم وفي ركضهم وراء فراشة أو ضفدع. فالطفلةُ التي سألت الله عن الحدود بين الدول، لا تفهم معنى كلمة احتلال، ولا إمبراطوريات. ولا تعرف من هو سير مارك سايكس أو مسيو جورج بيكو، ولا آرثر بلفور ووعوده. وحُكما هي بريئة من دم الهندي الأحمر الذي تدوس قدماها رفاته كل يوم وهي في طريقها إلى المدرسة.

* ماذا تتذكرين من طفولتك؟

طفولتي كانت كذلك مشحونةً بالسؤال الذي لا يتوقف عند حد. كنت أفكر طوال الوقت في صناعة سلّم كبير جدا لأصل إلى السماء وأتلصص على الملائكة. ثم بدأت أدعو الله كل يوم أن يُنبت لي جناحين مثل جبران كي أطير. فقد كنت مؤمنة تماما أن جبران خليل جبران يَنبت له جناحان عند المساء يطير بهما للسماء ويعود إلى
الأرض مع الصبح حين ينطمس الجناحان في كتفيه.

* ماذا عن طفولتك الشعرية؟

تنبهت لوجود شيء اسمه "شعر" في هذا العالم حين كان أبي يحكي لي قصص الأنبياء. ولما وصلنا لقصة المسيح ومريم العذراء وكيف نطق في المهد فحاور وجادل حاجج اليهودَ حُجّة بحجّة ومنطقًا بمنطق أيقنت أن ثمة عالما ميتافيزيقيا يحيط بنا وتمنيت أن أقبض عليه يوما. وكان الشعر هو بوابتي السحرية لدخول هذا العالم. في تلك اللحظة البعيدة أظن أن جرثومة الشعر قد أصابتني. لأنني بعدها طفقت أركض وراء كل ما هو سحري وميتافيزيقي.

* لا يُعلى على مصر في الرواية والقصة عربيا وحتى- في بعض التجارب- عالميا، هل تثير هذه المكانة غيرة الشعر؟

وماذا عن إبراهيم ناجي وأحمد شوقي ومحمود حسن إسماعيل وصلاح عبد الصبور وكامل الشناوي وغيرهم؟ الشعر في مصر، سواء قديما أو راهنا، ما يزال بخير وعافية.

* فاطمة المهندسة المعمارية هل تهندس النص الشعري؟ أم تتركه هكذا يأتي عفويا مثل جدول ماء رقراق؟

الشاعرُ داخلي هو المعادل المضمونيّ للمهندس الذي يقبع في زاوية ما من رأسي. لن أقول إن الشعرَ هو الضدُّ الجماليّ الآخر للهندسة. فكلاهما عندي شقٌّ ثريٌّ بالجمال ومنبعٌ صاف أنهل منه لأتزوّد بما يقيني قبح الحياة وعبثها. العمارةُ في جوهرها العميق لونٌ فاتن من الشعر المصفّى. لن تكون معماريا ناجحا إلا إذا امتلكتَ عينيْ شاعر تعرفان كيف تطاردان الجمال في مكامنه ومخابئه. ولن تكون شاعرا ناجحا إلا إذا امتلكتَ عينيْ معماريّ يعرف كيف يقوم العالمُ على هندسة الفوضى وفوضوية الهندسة. الهندسةُ علمتني النظامَ، والشعرُ علمني الفوضى، الهندسةُ علمتني القانونَ، والشعرُ علمني كيف أكسر القانونَ، الهندسةُ بذرت نواةَ العلمِ في عقلي، والشعرُ انتزعَ هذه النواةَ وبذر محلّها التَّوْق إلى المعرفة والتعلم دون شبع.

* إذن ما مساحة الصناعة الشعرية في تجربة الشاعر؟

لا مساحة لها إلا بقدر إتقانه استعمال أدوات الشاعر من المعلوم عن الشعر بالضرورة. لا أصدق شاعرا يخطئ في اللغة أو النحو والصرف، ولن أصدق شاعرا لم يقرأ التراث الشعري العربي، والعالمي إن أمكن، ثم يتجرأ على عالم الشعر. لن أصدق شاعرا يكتب الشعر ولا يُحسن الأدب، بالمعنى الحرفيّ للكلمة. فالشعر عندي ليس قصيدةً بل طريقةُ نظرٍ إلى العالم وأسلوبٌ في الإصغاء لوقعه. "صناعة" الشاعر إذن هي في تثقيف دماغه وتهذيب روحه وتربية نفسه. هذا كله يتم قبل أن
يمسك ورقة وقلم ويفكر في مقاربة الشعر. أتراها صناعة يسيرة؟ ما أصعبها!

*ترجمت مجموعتك قارورة صمغ إلى الإنجليزية والصينية, هل ترين أن صوت الشاعر العربي في طريقه للآخر يفقد الكثير من جماليات البنية الشعرية العربية؟

لا شك. كلُّ ترجمة تُفقد القصيدةَ جزءًا من طاقتها الشعرية حالَ انتقالها من لسانٍ إلى لسان. من بنية لغوية وثقافية وحضارية ومجازية وفلسفية إلى أخرى. مستحيلٌ
أن تحتفظَ القصيدةُ بكل طاقتها حال إبحارها من مرفأ إلى آخر. لذلك على مترجم الشعر، الذي لابد أن يكون شاعرا مكينا في لغته الأم أساسا، أن يمارس شيئا من "اللصوصية" حال اضطلاعه بترجمة الشعر. أسميها اللصوصية النبيلة. ولأنني أترجم الشعر ولي كتب ترجمات منها الشعري ومنها القصصي ومنها لفرجينيا وولف الفاتنة، فإنني أقرُّ أنني أمارس تلك اللصوصية بضمير مرتاح. لا أزيد على النصِّ الأصل ولا اقتصُّ منه، لكنني أحاول ببعض الألاعيب أن أعوّض تلك الطاقة المهدرَة بسبب الترجمة.

*فاطمة المترجمة متى يخون المترجمُ النصَّ؟

يخونه حينما يكون أصغرَ من النص. المترجمُ لابد أن يكون في حجم النص المترجَم. فلكلّ نصٍّ قامةٌ تتطلب قامةً توازيها تضطلع بترجمتها. ويخونه حينما يترجمه
حَرفيا هادرا كل طاقته الفنية والشعرية دون خجل أو وجل أو حياء. حال الكلام عن الترجمة، تكون الأمانةُ المفرطةُ هي الخيانةَ المفرطة، والعكس صحيح.

* نقلتِ تجارب من الشعر الأمريكي والبريطاني إلى العربية كيف أفلتتْ ناعوت من هذه التهمة, تهمة الخيانة؟

أفلتُّ من خيانة النصِّ بالإيغال في خيانة النصّ. ثم الاعتراف بهذه التهمة وحمْل تبعتها إلى النهاية. أخونُ النصَّ انتصار للنصّ. ثم أحملُ صليبي فوق كتفي مقرّةً بإثمي النبيل.

* كيف ترين واقع الشعر العربي اليوم وسط الأزمات التي تعصف بإنسان العصر؟

الشعرُ بخير وعافية رغم الراهن الكارثيّ الذي يحياه العالم. لنقلْ إن الشعرَ والثقافة بعامة هي رهانُنا الأخير. هي حصاننا الذي بعد لم يبل ولم يخنا.

* كيف يستطيع الشاعر أن يحول هذه الأزمات إلى فعل إبداعي؟

المبدعُ الحق يفتّش طوال الوقت عن اللؤلؤ في الخرائب. هذه وظيفته الأولى. الشاعر موظف لدى الحياة بدرجة "مُجمّل الكون". الشاعرُ الذي لا يقدر أن يُخرج مادةً إبداعية جمالية من قبح الراهن لا يستحق لقب شاعر. يا له من لقب مهول هائل! الشاعر الذي يبحث عن الشعر في "الجمال" و"العدل" و"الخير" وحسب لم يأت بجديد ولن يأتي. لأن سوف يكون كمن فسّر الماءَ بعد طول الجهد بالماء! الشاعر الحق هو القادر على تحويل العذاب إلى عذوبة، والمحن إلى منح، والقفر إلى
جمال وخصب وخضرة. وإلا ما الشاعر؟

* أنت من أبرز من يكتب النص الشعري الحديث في المشهد الشعري المصري الحديث كيف ترين هذا المشهد؟

المشهد الشعري المصري، مثله مثل نظرائه في كافة دول العروبة والعالم، يحوي الأصيل والزائف. ثَمّ العديدُ من التجارب الحقيقية الجادة التي تصنع بصمتها بصبر
، والتي سيذكرها التاريخ، كما ثّم العديدُ من مدعي الشعر وكتّابِ الخواطر وهؤلاء سوف يسقطون من مصفاة التاريخ العمياء التي لا تجامل ولا تعزّز إلا الحقيقيَّ وحده
لا شريك له. وهذا طبيعي في كل فن وفي كل زمن منذ المخضرمين وحتى نهاية العالم.

*ماذا عن الأشواط التي قطعتها التجربة الشعرية الحديثة للوصول إلى ذائقة المتلقي؟

سؤالك يحضّ على إجابة ذات شقيّن: المفترّض، والواقع. أما المفترض فأرى أن الشعريةَ الراهنة حريٌّ بها أن تكون في قلب الذائقة. لأن الشعرية الحديثة تخّلتْ عن زخرفه، سواء البلاغيّ أو المضمونيّ، القديم الذي كان يُثقل النص من جهة ويطير به بعيدا عن دنيا الأرض والحياة اليومية من جهة أخرى. الشعرية القديمة كانت تتناول موجودات مهومة من غير الممكن القبض عليها. كانت تستلهم النجمَ والقمرَ والشمسَ الخ. الإنسانُ الراهن لم تعد تخدعه تلك الأكاذيب. لأنه فهم أن النجمَ الذي يراه الآن في السماء قد برح موقعه منذ سنين، وما نرى إلا تاريخه القديم، وعرف أن القمر كاذبٌ منافق يعكس ضوءا ليس له، وعرف أن الشمس ليست عادلة، تُلهب مناطقَ وتنأى عن مناطقَ فيسكنها الصقيع. الشاعر الحديث لم تعد تغريه هذه الأقانيم. غدت أقانيمه أكثر ملموسية وأكثر إنسانية. لم يعد يغريه البطلُ الأسطوريُّ الفاتح، لكن ما يعنيه هو المهمّش والمأزوم. الإسكافيّ وبائعة البطاطا. الشحاذون والمجزومون والمنبوذون. الشعر الراهن ينهل من معجم الحياة اليومية ما جعله يقترب أكثر وأكثر من القارئ. ولذلك فمن المفترض والطبيعي أن تكون القصيدة الجديدة في قلب ذائقة القارئ الراهن. لكن الواقع يقول شيئا آخر. ليس لخلل في القصيدة الجديدة. بل لأن صدعا دامغا وحادا قد أصاب الواقع ما جعل القارئ ينأى عن حقل الثقافة بكاملها. وليس الشعر حصريا. القارئُ مات ولا عزاء للشعراء. القارئ الكلاسيكي الذي كان يجد كلَّ متعته بين دفتي كتاب بات قطعةَ إسفنج بليدةً تجلس بكسل أمام قناة فضائية تفرّغ دماغَه من كل ما من شأنه أن يبني الأدمغ
ة.

* أنت نشيطة في مجال النشر الالكتروني هل لجأت إليه للإفلات من قبضة الرقابة على النص؟



هل أدهشكَ لو قلت لك إنني لا أنشر حرفا واحدا على الانترنت ما لم أنشره ورقيا سلفا؟ أنا كلاسيكية وورقية حتى النخاع. أخاف النشرَ الديجيتاليّ بسبب القرصنة واللصوصية. لابد أن أوثّقَ نصي، سواء كان قصيدة أو مقالا أو ترجمة، بنشره في صحيفة أو مجلة ورقية قبل أن أدرجه في موقعي على الشبكة. ومع ذلك لم أنج من القرصنة. مؤخرا سطا كاتبٌ قطري على مقال لي كتبته حول أسئلة جوجان وكتاب أمريكي اسمه "الرقص داخل الأغلال"، كنت نشرته في جريدة الدستور

الأردنية. هذا اللص سرق أجزاء كاملة منه ونشره في جريدة "الجزيرة" السعودية بعد نشر مقالي بأسبوعين.

* كيف ترين التجارب الشعرية النسوية؟

شأنها شأن التجارب "الرجالية". قليلها جيد وكثيرها خاو. ربما المرأة مميزة أكثر في عالم الرواية كونها حكّاءة عظيمة فهنّ حفيدات شهرزاد. لكن هذا لا يمنع
وجود العديد من التجارب النسوية اللافتة عربيا.


* أحلامك كيف ترسمينها على الورق؟

كل قصيدة لي هي بمثابة جناحي ورق ألصقهما بكتفي وأطير.

*هل لك حلم مستحيل؟

كل أحلامي مستحيلة. لذلك لا أتنازل عنها ولا أكف عن الحلم بها. ما أتعس الحلم الذي يتحقق! إذ ما جدوى الحياة بعدئذ؟

* أترك لك المساحة المتبقية لك لملئها بسؤال أو كلمة أو نص؟

سأملؤها بكلمة لأبير كامي: "من العدل أن يأتي الفرحُ بين حين وآخر، على الأقل







حقوق النسخ © بواسطة .::.كلكامش.::. جميع الحقوق محفوظة.




 

- رجوع -