الشاعر عبدالرزاق الربيعي :
حاورته:عزة القصابي
-
" ..فوجدت إن حبل الفجيعة قد التف على عنق مسقط الجميلة التي
كان انتظامها يبعث في
نفسك المسرة.."..من واقع تلك الكلمات المؤثرة، والتي لها جرس
خاص، يعبر عن حالة القلق إزاء الحالة التي عايشتها السلطنة
العام المنصرم، ومن واقع تجربة المخاض تلك، ولدت تجربة جديدة
للشاعر عبدالرزاق بعنوان " مدن تغرق..ومدن تأن"، كيف يمكن أن
تصف لنا هذه التجربة؟
-
لقد كانت مباغتة كقصيدة ,عنيفة كإعصار, لم أخطط لها ,ولم يدر
بخلدي إنني سأكتب حرفا واحدا ,لكن حالة الكتابة فاجأتني
ووضعتني أمام خيار صعب:إما مقاومة الإعصار بالكلمات وإذابة هذا
المارد ووضعه في قارورة محبرتي أوالإستسلام له والإنحناء
لخطاه القاسية وهي تعبث بالأشجار والبيوت والدروب والأرواح .
كانت البداية خربشات شعرية دونتها على دفتر صغير وكلما كانت
الريح تعصف بقوة في الخارج وتصطفق بالنوافذ كانت الأفكار تنمو
بسرعة أكبر على الورق وأجد نفسي أدخل مخاضا صعبا :مخاض الكتابة
ومخاض الحياة التي تقف على أقدامها بصلابة متحدية الموت الذي
هجم ليطفيء شعلتها بقسوة !!كنت أزيح الماء الذي تدفق من شقوق
الأبواب والنوافذ بيد وأواصل الكتابة باليد الأخرى , عندما هدأ
الإعصار وجدتني قد كتبت سبعة نصوص , ظننت إن الأمر قد إنتهى
بتوقف الإعصار .
في صباح اليوم التالي خرجت بصحبة زوجتي لرؤية الذي حصل في
منطقتنا ,القرم, وهناك بقيت أردد قول الشاعر:ياهول ما أبصرت
عيني وماسمعت أذني .....!!!
كان كل شيء قد بعثر , وجدت مسقط الجميلة مبعثرة أمامي ,
الأشجار مذبوحة على الأرصفة ’ أثاث البيوت في الشوارع ,الوحل
والطين الذي يصل الى حوالي مترين في بعض الأماكن !!عدنا من
الجولة مرهقين وقررت أن أدون مشاهداتي , وبعد ساعات إنتهيت من
الجزء الأول منها وبعثتها على الفور للنشر في صحيفة (كتابات)
الألكترونية فجعله رئيس تحريرها الزميل أياد الزاملي في
صدارة الموقع فوصلتني رسائل عديدة تطلب مني ذكر المزيد من
التفاصيل فكتبت الجزء الثاني ونشر أيضا في صدارة الصحيفة وهكذا
في بقية الأيام , وفي النهاية قيل لي :لم لا تجمع الأجزاء في
كتاب ؟ فراقت لي الفكرة فكان (مدن تئن وذكريات تغرق )
-
هناك تصاعد جمالي وشعري في المشاهد التي عرضتها خلال ديوانك
الشعري الاخير، ولكن سعيت لخوض تجربة مختلفة، أقرب إلى النثر
السردي وليس النثر الشعري- أن صح التعبير- ليتحول ديوانك
الأخير، إلى رصد أدبي وشعري، فلماذا من وجهة نظرك هذه
المزاوجة؟
-
لا يندرج كتابي (مدن تئن وذكريات تغرق) تحت مسمى (الديوان) لأن
النصوص الشعرية كانت مبثوثة في ثناياه وتشكل ثلث مادة الكتاب
الذي جمع الشعر والسرد والوقائع والوثائق والرسائل والأرقام
ونزيف الذاكرة في طبق واحد , والموضوع هو الذي أملى علي هذه
المزاوجة , خصوصا إن الشعر وحده لا يحيط بالحدث , فلغة الشعر
تعتمد على اللمح والإشارة والإختزال , لكنني إعتمدت على النصوص
الشعرية في تعميق الحدث وجعله أكثر تأثيرا في عقل المتلقي
ووجدانه , بما يمتلكه الشعر من سحر وجمال وبيان وتأثير وقدرة
على التشكيل الصوري والإبهار اللغوي .
-
استكمالا لسؤال السابق، تعددت الأشكال الشعرية في رصد الحالة
الابداعية لدى الشاعر المعاصر، حيث ظهر ما يسمى الشعر الحديث
والنثر الشعري، بينما توارت قصيدة التفعيلة، فلماذا هذا
التراجع باعتبارك أحد الشعراء اللذين يمارسون كتابة الشعر
الحديث؟
-
لم تتوار قصيدة التفعيلة فمازال شعراء كبار يصرون على التعبد
في محرابها كالشاعر محمود درويش , و لم تتراجع مثلما لم يتراجع
الشعر العمودي الذي يجد له في كل زمن أنصارا , وأنا نفسي مازلت
أكتب في حين وآخر نصوصا مكتوبة وفق قصيدة التفعيلة , لكن سبب
طغيان قصيدة النثر على المشهد الشعري العربي يعود الى أن
الأشكال الشعرية في حالة صيرورة مستمرة , وكل حالة جديدة
تستدعي شكلا تعبيريا يناسبها , وأجد في النص النثري رحابة
أكثر في التعبير عن أزمات الإنسان المعاصر التي تعددت وتعقدت
حتى إستقرت في اللاشعور , النص النثري ينفذ الى تلك المنطقة
الغامضة في الوجدان البشري والعقل الباطن حيث يجد الشاعر نفسه
يسبح في عوالم لا مرئية وحين يعبر عن تلك العوالم فلابد له أن
يتسلح بلغة جديدة وأداء جديد ورموز جديدة وهذه لا يمكن أن
يصبها في قالب قديم .
-
نعود مرة أخرى للحديث عن شعر عبدالرزاق الربيعي، قيل عن شعرك
بأنه يعزف على لحن حزين ويوحي بالوجع والألم والموت، مثلما
حاصل في عددا من دواوينك الشعرية مثل: "الحاقا بالموت
السابق" و "حدادا على ماتبقى" و "جنائز معلقة" .. وفي ديوانك
الأخير( مدن تغرق ..مدن تأن) نلمس ذلك أيضا عن قرب من خلال في
المشهد الرابع، بعنوان : الموت يزحف على النوافذ ،
حيث تقول : " عندما هب الإعصار...رأيت السماء تنحني...ورؤوس
الأشجار...تعانق
الجذور...الموت يزحف....على النوافذ... يشير لنا
بالأصابع...محييا
تارة...ومتوعدا
..العيون
تجحظ ، ..كيف
يمكن نفسر هذا التلاقح بين الشاعر العراقي والحزن في النتاجات
الشعرية والابداعية ؟
-
كل شاعر حقيقي هو حزين بطبعه , فالألم البشري عميق والشاعر
يتحسس آلام الآخرين يقول الشاعر بدر شاكر السياب "مالي وللناس
؟
-
لست أبا لكل الجائعين"
-
وهذا نفي لإثبات فالشاعر أب لكل الجياع والعراة والحزانى
والعشاق البائسين والعاشقات الخائبات , ويكون الحزن أعمق
عندما يمر الشاعر بتجارب ومحن ومصائب وبالنسبة للشاعر العراقي
ف الحروب والكوارث والمحن التي مر بها العراق خلفت في أرواحنا
طبقات من الآلام والأحزان وهذه الأحزان إنعكست على نصوصنا وكيف
لا أصرخ من الألم والسكين مغروسة في خاصرتي؟
-
قلت : " مرت عليّ مصائب لو أنها
...مرت على الأيام صرن ليالي...
كوارث عراقية" وأردفت معلقا على ذلك المقطع الشعري بأسلوب
سردي: " الحقيقة إن كوارثنا نحن العراقيين من نوع آخر، فلم ار
على إمتداد عمري
الذي بلغ السادسة والاربعين كارثة من الكوارث الطبيعية سوى
الاحساس بخطر الفيضان
دجلة، لم اكن قد
ولدت عن وقوع فيضان 1954"...كيف يمكن أن تفسر إلتحام ذاكرتك
بتجربتيين هما الانواء المناخية المفزعة في السلطنة العام
المنصرم وهستيريا ما آلت إليه الأوضاع في العراق الآن؟
-
في مواجهة المحن نعود فطريا الى الوراء لننبش في الذاكرة عن
أحداث مشابهة لنختبر عزيمتنا وقدرتنا على مواجهة الجلل القادم
,ومن طبيعة الذاكرة التحفز عند مواجهة الخطر فيحصل ما يمكن أن
نطلق عليه نزيف الذاكرة , وهكذا وجدت نفسي ,خلال الإعصار , أقف
وجها لنفسي أمام كوارث عديدة مررت بها في حياتي , ولأنني تركت
قلمي يسبح في فضاءات التداعي الحر ,لذا كان لابد لي من أن أدون
تلك الأحداث ,فلقد كانت مهمتي أن أدون تداعيات اللحظة التي
أعيشها على المستويين الخارجي والداخلي , وربما كان إبحاري في
عوالم الذات قد أخذ مساحة أكبر , فقوة الحدث تقاس بما تثيره في
عوالم الذات من تنقيبات وحفريات .
- عندما نقترب أكثر من روح الشاعر، نجده يعيش طقوسا خاصة والتي
تجعل الآخر ( الإنسان العادي)، غير قادر على فهمه
أحيانا، إلى أي مدى ينطبق ذلك على حالتك الإبداعية؟
كل إنسان هو عالم خاص بذاته , ويكون هذا العالم أكثر تعقيدا
لدى المبدع ,لأن قوى الإبداع تستنزف قدرته على التواصل مع
الآخر , يحدثني الأستاذ الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد عن
السياب فيقول "إنه كان في حياته اليومية كأي إنسان عادي :يثرثر
ويروي طرائف ويخوض في أحاديث شتى لا يتحدث بها الا عامة الناس
, لكنه فجأة يصمت وينعزل حتى لو كان بيننا فنعرف إنه يعيش
مخاضا شعريا ثم يستسلم لرعود وبروق القصيدة ويبقى على هذا
الحال ساهما غائبا متوحدا مع ذاته ,حتى إذا ما إنتهى من كتابة
قصيدته عاد الى سيرته الأولى "
وكذلك كان الشاعر الأموي جرير حيث يروى إنه كان يعيشا مخاضا
يشبه مخاض المرأة ساعة الولادة فيهمل نفسه وطعامه وشرابه
وملبسه وحين ينتهي من قصيدته يغتسل ويرتدي ملابس جديدة ويعود
كما كان .
بالنسبة لي فهاجس الكتابة يداهمني في كل مكان :في الباص ,على
سرير النوم, في المكتب, وسط ضجيج الحافلات ,في المقهى , وفي
تلك الدقائق أنقطع عما حولي متذرعا ,إذا كنت مع الأصدقاء بشتى
الأسباب سوى سبب الكتابة فهو سر أحافظ عليه كثيرا, وحين أفرغ
من حالة الكتابة أعود الى ماكنت عليه ,محاولا أن أبدو طبيعيا
جدا مع من حولي ,وإفهامهم أن ماحدث كان عارضا صحيا زال ,
وطبعا فيما بعد أراجع ماكتبت وأضيف وأحذف بحرفية , وهكذا
أحاول أن أكون عاديا في تعاملي اليومي ما إستطعت الى ذلك سبيلا
لكي أكون مقبولا من قبلهم , فقلد مضت أزمنة الشعراء البوهيميين
الى غير رجعة !!!
-
يقول الأب توما " ان الحواس لتسر من رؤية الأشكال المنتظمة
"...ولكن
جوهر الكوارث يقوم على بث روح الفوضى
..وأية فوضى ؟" .. هناك حالة من الفوضى دائما ما تقرن بحياة
الشاعر! بالطبع هى فوضى تجسد حالة الابداع ورسم الصور عبر
إحساس ومشاعر الشاعر، فكيف استطاع عبدالرزاق أن يترجم حالة
الفوضى تلك من خلال إحساسه بفوضى الدمار التي سادت مسقط أيام
الاعصار .. وما العلاقة بين الابداع والفوضى لدى الشاعر ؟
-
الإبداع الخالد أقصى حالة من حالات النظام , لأنه خلق ,
والخلق بدون قوانين يصبح نوعا من العشوائية التي سرعان ما تخمد
وتنطفيء , هناك قوانين تحكم الوجود الذي هو أرقى صور إبداعات
الخالق , الفوضى تقضي على الإبداع و لا تخلف سوى الرماد
والكثير من (الفوضويين) إنتهوا وذهبت تجاربهم مع الريح , أين
تجارب الدادائيين الذين ظهروا بعد الحرب العالمية الأولى في
اوروبا ؟ وأين قصائد الشعراء البوهيميين والفوضويين ؟ كلها مضت
لأنها إفتقرت الى النظام .
-
- " ماالذي يجعلني اكتب عن
الحب في تلك الساعات الرهيبة؟
لا أعرف أنه نقيض الموت ؟, أهو التشبث بالحياة
؟ ربما!!"... تحدثت في هذا المقطع الشعري عن ارتباط الشاعر
بالعاطفة والحب، حتى في أحلك مواقفه، فلماذا هذا الالتحام
الابدي بين الشاعر والعاطفة - من وجهة نظرك؟
في مواجهة الموت تستفز العاطفة , لأنها لصيقة بالحياة ,
والحب غذاء العاطفة , ولا يمكن فصل الحب عن الحياة بإعتقادي ,
فهو الشريان الذي يغذي جسد الحياة , وبشكل لا تلقائي وجدت نفسي
أكتب ,خلال ساعات الإعصار , عن الحب , فهو السر الذي يجعلنا
نتشبث بالحياة بل كانت في ذهني صورة إمرأة واحدة تتابع أخبار
الإعصار في العراق بقلق وخوف , وكلما كان المطر يشتد كانت تمطر
هاتفي بالمسجات التي تعبر عن قلقها قبل أن تنفذ بطارية هاتفي
ويلفظ أنفاسه , فكانت النصوص تستكمل فراغات القلق التي أحدثها
الإعصار بعد إنقطاع التواصل مع العالم الخارجي .
-
كانت الشمس قد قاربت على الغروب، لذا حاولت أن اختصر الأسئلة
المتطايرة في ذهني ..، لن أسألك ما هى نتاجتك الشعرية، ولكن
ما هو وجعك الابداعي المقبل؟
-
أحسنت التعبير بوصفك لنتاجاتي بالأوجاع الشعرية !! نعم إنها
أوجاع وطالما بقيت أكتب فأنا على قيد هذه الأوجاع , ووجعي
القادم مجموعة شعرية أسميتها (طفلة الماء ) والعنوان دال
ويكشفه نص في المجموعة حول رضيعة تبنيتها فقدت ذويها خلال
الإعصار أسميتها (دجلة) , وهكذا فمن قلب المأساة تولد حياة
جديدة تحيل الجفاف الى بساتين مثلما يفعل ماء (دجلة ) الخالد .
-
وأخيرا عرف عنك التنقل والترحال، حتى وصفك البعض بالسندباد
نتيجة سفرك الدائم، ولكن فترة أقامتك في مسقط كانت الأطول
عمرا- باستثناء العراق الوطن الأم- إلا ما تعزو هذا الالتحام
العميق، بينك وبين المكان، وما تأثير المكان على عوالم الشاعر
الداخلية؟
كثيرا
ما سألت نفسي هذا السؤال ,أو الشق الأول منه , فكثيرا ما فرطت
بالكثير من الفرص التي أتيحت لي للإقامة في عواصم أوروبية ,
ربما لأن جذوري التي تعود الى جنوب العراق الذي يشكل إمتداد
طبيعيا وجغرافيا وروحيا لمنطقة الخليج وجدت , هذه الجذور ,
توافقا وإنسجاما روحيا مع هذا المكان فأحسست بألفة أنستني
الإحساس بالغربة الذي عصفت بأشرعتي منذ خمسة عشر عاما !!كذلك
إنسجمت مع الشخصية العمانية التي تتصف بالتواضع والبساطة
والتسامح فوجدتها الأقرب الى تكويني النفسي , أما بالنسبة للشق
الثاني من السؤال فتأثير المكان كبير على عوالم الشاعر , إنه
يحفر في روحه فضاءات تبحر على أجنحتها المخيلة , وتشكل مصدرا
قويا للكتابة الإبداعية , ويكون المكان أكثر تحفيزا عندما
يعيد الشاعر الى المكان الأول الساكن في الذاكرة.