الى رشا فاضل مديرة موقع كلكامش المبهج

 

حيـــــرة

احتفاءً بعَبدِ الرَزّاق الرُبَيعي

موجز اخطاء العالم

من الحدائق المعلّقة الى الجنائز المعلّقة

الغربة هاجسا ً شعرياً

توضأنا بعشق الاختلاف

 

عصرية في مرحاض بعيد

عبـــر الاثيــــــر

 

  

 

   

 

بنية التشكيل الشعري في (جنائز معلقة)

انتحارالعاشق لمدنه..أم الناعق على خرائبها؟

·                     د. محمود جابر عباس

 

في نصوص الشاعر عبد الرزاق الربيعي قد تجلي في مستويات عدة نصية متميزة في إقامة الأبنية الدلالية المتعالقة والمتناصة إذ من خلال هذه المواقف والرؤى والدلالات التي تتفاعل وتمتزج معا في بنية النصوص تؤدي إلى انصهار الدلالات المتناقضة والمفارقة التي تربط وحدات النص كله داخل فضاء لغوي وعاطفي وايقاعي وثيمي موحد ومتماسك وتام تتمظهر فيه خصوصية البناء ذرواتها النصية المتوترة التي تشتبك دلاليا في أفق المعني الشعري الكلي لاستيعاب دلالات هذه المفارقات والمتناقضات وفاعليتها وتأثيراتها والتصاقها بالخيال التركيبي للشاعر، والذي يتوسل بكل الممكنات والكيفيات الدلالية والنصية المتاحة للوصول إلى بنية نصية دلالية وايمائية عميقة تخدم الوظيفة الشعرية للتشكيل اللغوي وتنقله باستبطاناتها وحركاتها وتحولاتها وانزياحاتها التي لا تقف عند حدود العلاقات التشكيلية والبنائية والثيمية والتركيبية فحسب وانما تقيم برنامجها الشعري المفارق على أساس من تضافر المستويات ترميزها وأسطورتها وواقعيتها ومتخيلها حسب السياق النصي في المعني والمبني وفي اللغة والصورة والإيقاع والتركيب الذي ينفتح بدوره علي طاقات البناء الدلالي الكلي المجاوز للنظام اللغوي السائد والمعجم التقليدي الثابت فيخترق بمفارقاته هذه وبمرونة مدهشة وآسرة النسيج النصي التقليدي والدلالي الأحادي لصالح تناسج وتواشج هذه العناصر البنائية والدلالية، وملاءمتها لرؤية الشاعر ورؤية القصيدة وحضورها وفاعليتها ووظيفتها التي تنبثق تعبيريتها وفنيتها وجمالها وانساقها من امتزاج هذه العناصر التي أثرت في استيعاب واستثمار النص لهذه البنيات والكيفيات وبتنوع واختلاف وتباين
 
وبحالات مختلفة وخاصة ودمجها في أفق النص وبنائه العام لتحقيق هوية القصيدة وشعريتها التي يسعى إليها الشاعر عبد الرزاق الربيعي
 
وغزارة إنتاجه في مجالات الشعر وأنماطه وأصنافه وبنياته المختلفة التي تراوحت بين شعر التفعيلة وقصيدة النثر والمسرحية الشعرية والكتابة للأطفال
 
والكتابات الصحفية التي تهتم بالشأن الأدبي والثقافي فانه استطاع وخلال الفترة الماضية أن يؤكد حضوره الإبداعي وخبرته الشعرية وان يبرز انتظام نسقه الشعري وسياقاته البنائية التي تحدد الوظيفة الفنية والجمالية في ابتعادها عن المعايير الجاهزة والمفاهيم في رؤية القصيدة الحديثة في وقت قصير جدا إذا ما قورن بالعديد من مجايليه في الشعر العراقي الجديد.
 
 
البنية النصية والملفوظية
 
إن البنية النصية والملفوظية التي ترتكز عليها مكونات وعناصر ونسيج وتركيب قصيدة الشاعر عبد الرزاق الربيعي في مجموعته الشعرية الجديدة (جنائز معلقة ــ عمان 2000) وفي مجموعة نصوصه التي نشرها بعدها تؤكد محنة الشاعر الوجودية والفلسفية والإنسانية والفنية والحداثية معا، والتي تسعي لتجاوز الجماليات الكلاسيكية الثابتة والساكنة إذا انتقل الهم الجمالي والفني والتعبيري من خارج الذات الشاعرة إلى داخل الذات وباطنه وجوانبه الرؤيوية التي تواجه العالم، وتواجه الثنائية الضرية العالم/الذات، الخارج/الداخل من خلال انتزاع الدلالي من سياقاتها البنائية ليوحدها في ذات كلية ودلالة واحدة مرمزة ومنسجمة وفسيحة ومضيئة حيث تولد القصيدة من قوة التجربة الضاغطة والأصابع المحترمة التي تمسك بالعناصر المفارقة التي تخلق مجموعة من التقابلات البنائية التي تدفع التشكيل الشعري لكي يطبق ويقبض علي المعني الشعري اللامتناهي، والجمال اللامتناهي والروح اللامتناهي والتأويل اللامتناهي الذي تتضافر فيه الأجزاء في انزياح كامل عن مقومات القصيدة التقليدية واشتراطاتها البنائية والإيقاعية المهيمنة علي الذاكرة الشعرية باتجاه الدلالة النصية واقامة المتوازيات والتعادلات التي تسمي بالآلية المضادة للتنميط والمزج
 
وتحرر القصيدة من التصورات الشعرية الشائعة والسائدة باتجاه شعرية نصية مغايرة في شفراتها وعلاقاتها ودلالتها. وللوهلة الأولى فان من يقرأ الشاعر عبد الرازق الربيعي في ديوانه هذا (جنائز معلقة) سيجد نفسه مباشرة أمام شاعر متمكن يعرف قدراته في تشعير الواقع، وانه أمام شاعر له قضية وعنده موقف ورؤيا وانه اختار طائعا أن يعبر عن هذه القضية بالشعر الحقيقي الصادق الأصيل، الشعر الذي يرتفع بالبنية الشعرية إلى مصاف الجمال الفني والتعبيري في مستوياته الجزئية إلى الكلية والذاتية إلى الموضوعية والمتناهي إلى اللامتناهي من خلال استثمار واستخدام تقنيات الحداثة الجديدة وأساليبها وآلياتها وتنوعها وانفراديتها وخصوصيتها التي ليست دفقات عفوية وشعورية وذاتية يعول عليها الشاعر في انتظام مشاعره ووجدانه، وانما همس انتقالات لأشكال البنية واللغة التي كانت ساكنة أي شحنها بالحركة والحيوية وان تقيم تقابلات عدة وثنائيات دلالية وايمائية وترميزية تشير إلى مرموزيتها ودلالتها النصية والإشارية والتاريخية والمعرفية والفلسفية والواقعية غير أن أهم ما يميز هذه القصائد هي البساطة بانتقاء الموضوع، والتعبير عنه من خلال الغور في أعماق الذات والروح والجسد، وخلق شخوصه ويعطي للأشياء معنى جديدا ومتميزا وهي تنتقل من منفى إلى آخر، ومن استلاب إلى غربة ومن اغتراب إلى خراب جديد في رحلة التيه ومهاوي العدم وعبر قوارب الأحلام المضخمة والمحملة بالآلام والآمال المعطرة بالألم والوحدة والغربة والوحشة التي يختزنها في قلبه وهو حائر بين جنون الحلم وغرائبه الواقع التي تكون عند الشاعر منزعة الإحساس والخوف من المجهول والمعاناة والوحدة والتوجس والاغتراب والضياع والشاعر في متدفق أسئلته لا يملك سوى عزلته وبؤسه ووحدته التي تجلي جوانية التجربة المعيشية التي كانت مصدر لعذاباته التي أثثت القصيدة بكل مكوناتها التعبيرية والجمالية، وتجربة الشاعر عبد الرزاق الربيعي في هذه المجموعة (جنائز معلقة) تندفع باتجاه القبض علي مسلك تعبيري خاص به وهندسة جمالية وفنية، وحدود تقنية وآلية وتركيبية مرسومة بإتقان من اجل أن تكون له لغة خاصة به وذات فرادة من نوع خاص لما تحمله من رؤية حداثية متميزة، تؤسس ذاتها وبنياتها وممكناتها لتمايز نوعي وأسلوبي نوعي من خلال استثمار مقولة (غائبة لغويا وحاضرة دلاليا) التي تبرز ملامحها المشتركة والمرتكزة في وجود كثافتها الشعرية علي مجموعة من السياقات الداخلية الخاصة، والمهيمنات الشعرية التي تنحو نحو الشفافية والبساطة اليومي والعابر، وتقوم علي تكوين بناءات صورية تعتمد البساطة في الهندسة والعمق في الدلالة والاحتمالات التأويلية اللانهائية من خلال تسع وعشرين قصيدة احتوتها هذه المجموعة الشعرية  وأول هذه القصائد (كوكتيل في مفتتح القرن) التي استثمر فيها طاقة المفارقة الدلالية للفظة (صفر) التي قامت في بنياتها على ترميز هذه اللفظة وجعلها اللفظة المحورية التي تستند إليها القصيدة في حركاتها ودوراتها
 
تستلزم بالضرورة صنع التناقض والخداع والمموهة الدلالية والمعنوية وتقوية حدة التوتر والتنافر والدهشة التي تستطيع من خلالها أن تبني الواقع المدرك في السياق النصي العميق والارتباط التركيبي بينها وبين المشاهد المتأزمة في الواقع والتي تتشكل وتتناقض عبر النسيج التعبيري لبنية النص وانعطافاته العديدة:
 
وتبقى أسئلة المصير المشترك الذي تستشعره الذات من آلام الذكرى وفجائع الفقد وأنات الشاعر وهو يحصي خيباته، أو ينوح على جنائزه عبر رؤية مفارقة لتدوين التجربة وتكريس غايتها الذاتية بينه وبين العالم المحيط، وتتجسد في حيرته التي افتقدها ليكتمل نمو المعني الشعري مع تطور نمو السياق، وما يلتبسه علي حافة الزمن المتشرد المليء بالتشنجات ومشاعر القلق والتوترات التي تستحوذ علي بنية القصيدة وافقها الشعري، وعبر ثنائية الحضور ــ الغياب ــ وهي تترقب ملامحها في تشييد انتظارات جمالية، وهي تتغير في بلاد الله الواسعة لتنبثق قصيدة الخلاص الإنساني من خلال الجراح التي تكبر، وغربتها التي تتسع وذاكرتها التي تحملها معها أينما حلت وأينما أقامت والتي تحمل صوته المغموس بالحب والانتماء الأسلوبي والنصي والتشابك الدلالي كما في قصيدته (رؤى جديدة على طاولة يوسف):
 
ففي هذه القصيدة استطاع الشاعر أن يماهي بين الواقعة القرآنية لقصة يوسف عليه السلام وما تحمل من اكتناز معنوي ومحمول دلالي يجعلها قادرة علي احتضان تلك الواقعة وتوظيفها عبر رؤية شعرية معاصرة إذ يرويها الشاعر من خلال (المونولوج الداخلي) الذي يعبر فيه عن قمة وذروة التأزم النفسي والوجداني الذي يتعمق في حياتنا ووجودنا ويكتمل فيه التصور الثنائي بين سياق تلك الواقعة والإفادة من مرموزيتها التأويلية في طرفي العلاقة الثنائية الضرية بين الواقع واللاواقع والتي تتبع من تعميق هذه الرؤيا والمفارقة الحادة والتوتر اللغوي وطاقات اللغة المجازفة ومحولاتها الإيمائية المضيئة والمتدفقة دلاليا واستطباقيا لتفجير انفعالية التأويل المجازي في لغة النص ومهماته ومكوناته التي تضمها عبر منظومات سردية وحكائية وحوارية واضحة ومشدة إلى بؤرة العمل الشعري برمته ليؤسس مساحة التأويل والقراءة والتلقي عبر مجسات النص للوصول إلى خاصية الحضور والتفاعل والاكتمال الشعري، وترتكز قصيدته الأخرى (أمطار) على تمدد مستويات الحركة وتنوعها وتشكيل نوع من الجمالية الفنية القائمة علي استثمار المستويات الدلالية لهذه اللفظة (أمطار) فهو نص اعتمد (المورغرافيا) النصية أي تشكيل البنية والمادة الدلالية والحركية في النص اي اعتمد (الموروغرافيا) النصي أي اعتمدت التنوع (الطوبولوجي) الذي يفجر الدلالات المرئية وغير المرئية الخارجية والداخلية المضمرة و الجوانية لهذه اللفظة (المطر) وعبر تكرارها في كل سطر شعري حيث تتوحد الدلالة بشروطها الخاصة لانتاج معناها الكلي في وجدان المتلقي وهذا من البنية الدلالية لهذه اللفظة وتشكيلها (الثيمي) في تقنيات النص وآلياته والذي يميز هذا التكوين التخيلي المنبعث من الدلالة الصوتية بين عنوان القصيدة (أمطار) وتوظيف المتخيل الشعري لهذه المفردة (مطر) التي تستند إلى خبرة الشاعر وتحفيز تنوعها اللغوي والتشكيلي في بنية جمالية وفي سياق حميم ودافئ تطغي عليه التداعيات والاستذكارات والاسترجاعات الماضية والحاضرة، وصبابات الروح الساقطة تحت موائد الغربة والإحساس بالحياة المليئة بالنقيضين الموت والحياة، الحضور والغياب، السلب والإيجاب، الحلم والضوء المزدهر، والواقع المتمرد حيث تحمل القصيدة إرادة الشاعر في التغلب علي رداءة هذا الواقع وقسوته وخرابه بالشعر:
 
 
مطر سال على الإسفلت من جرح مطر
 
مطر امسك في شعر مطر
 
مطر شق طريقا لمطر
 
مطر دمع في صحن مطر
 
مطر ضد مطر
 
مطر يحلم أن يغدو مطر
 
مطر نام على قبر مطر
 
مطر عرى مطر
 
هكذا أبصرت من زاوية
 
في الباص آلاف الصور
 
 
وتتميز قصيدته الطويلة المركبة (سماء متحركة) في اتكائها دلاليا وبنائيا على مرموزية وتفاعلية سيرة الشخصية (مالك بن فهم الازدي) خلال حوار غير منشور اقترحه الشاعر لهذه الشخصية، وملأه بالفراغات الدلالية والنصية يستوعب من خلاله همومه ومشكلاته التي يستحضرها في النص، والتي ينقل لنا الشاعر من خلالها مرتكزاته ومجساته ومربعياته ومكوناته كمصدر معرفي يعيد تشفير وقائعية تاريخية وربط عناصرها بالمكون التخيلي والدلالي للواقع
 
وتؤدي بتشوفها الصوفي ورؤياها وتجلياتها إلى أحاسيس متزامنة وأفكار متزامنة بين العصرين وبين الواقعتين حينما ينقلنا الشاعر إليها عبر التعدد الموضوعي، وتقابلاته الثنائية والتلاقي، التخارج والتماهي باستخدام بنية (التزامن) التي تنطلق من مقولات (رومان جاكوبسن) على أن القوة الجوهرية للغة تكمن في حقيقة إنها قادرة على نقلنا عبر الزمان والمكان، فالشاعر هو وحده الذي يستطيع أن يفجر هذه القوة الجوهرية من خلال الأفعال الجوهرية القابعة في لا وعي الشاعر الذي انتقل بها إلى حفريات النص والتي ستكون مستدعاة ومستحضرة شعريا على أساس من البناء التصاعدي والاحتدام الشعري والحوار الدرامي والمونولوج الداخلي بين الشاعر وشخصية ومرموزية هذه العلاقة التي تخترق الماضي وتصل به إلى الحاضر وتستشرف به المستقبل لتعميق نزعة المفارقة الدرامية والسردية مع تعميق شرعيتها وحداثتها عن طريق بنيات حداثية وأساليب شعرية مبتكرة عند الشاعر الربيعي:
 
وبهذه المجموعة الشعرية الجديدة (جنائز معلقة) ونصوصها العديدة استطاع الشاعر عبد الرزاق الربيعي أن يحقق منذ بداياته الشعرية أشكالا من التوازي التعبيري والتركيبي في صيغ وأنماط وبني تصويرية ولغوية وايقاعية تخلل نسيج قصيدته وبناءها العام عبر إيجاد مرتكزات الشفرات الحادة، والدلالات التأويلية المتعددة التي يقوم بها الشاعر وان يبثها ويثبتها الشاعر في نصوصه ودلالتها الحقة التي تحكي وتسرد ما هو مرتبط باليومي والعابر والمهمل والوقائع والأحداث والمرويات والاستعانات التراثية والأسطورية والمعاصرة، والتأثيث النصي الشعري الذي يسهم في تأسيس منحني شعري يقود القصيدة نحو شعريتها وتركيبها ودلالتها ويبين لألم الاغتراب والنفي أقاليمه إذ تحاصرنا كوميديا الموت والرعب والحزن والغربة والاستلاب بالمكاشفات النصية وتحقيق الحلم والأماني اللذيذة في مواجهة الخراب وكلم سيوف الهزائم المطبقة من خلال يقينه انتصار قضية الشاعر والمجتمع والإنسان إذ يجد الشاعر لذته في انتحاره والنعق على خرائبه وفتح نوافذ جسده وروحه على كل ما حوله من كائنات وعناصر وموجودات وأشياء عبر تأكيد إنسانية المحاصرين والمنفيين والمعذبين وعبر توحيد هذه الدلالات من خلال التشكيل الشعري المفارق الذي اتبعه الشاعر في تأثيث نصوصه
 
والتي تفتح أفق النص الدلالي ونسيجه العام وبناءه وشعريته على أي الاحتمالات والتأويلات والقراءة النصية لشعرية القصيدة عند الشاعر عبد الرزاق الربيعي في مجموعته الشعرية الجديدة (جنائز معلقة).


 


  
مكتــبة كلـكامـش

 

.: مواقع صديقة :.





 

 

 

لقاءات اذاعية وتلفزيونية

نصوص مهداة للشاعر

البوم الذاكرة

أبصر( الحجاج ) ببدلته الزيتونية

خطى كلكامش

خواطر عن عبد الرزاق الربيعي

عبد الرزاق الربيعي...نسمة باردة في صيف عراقي

عبد الرزاق الربيعي .. الشجن في ثياب التجلي

شادي في ثلج فيروز


نكهة الوجع العراقي