آهات عراقية قرب سرير (عمو بابا )



 

عبد الرزاق الربيعي / مسقط

 

هناك شخصيات إحتلت حيزا من الذاكرة الجمعية العراقية فأصبحت رموزا سواء كانت سياسية أو فنية أو إجتماعية أو رياضية , و"عمو بابا" واحد من هذه الرموز التي إكتسبت شعبية كبيرة لدى العراقيين صغارا وكبارا على مدى عدة عقود حيث أدخل البهجة الى قلوب الملايين لاعبا في الخمسينيات والستينيات ومدربا في السبعينيات والثمانينيات ومحركا للأنشطة الرياضية وخصوصا لعبة كرة القدم التي لها يعشقها العراقيون , دون بقية الألعاب الرياضية , بشكل إستثنائي

صباح أول يوم من العام الحالي خرجت أسوة بعشرات العراقيين المقيمين في سلطنة عمان لإستقبال المنتخب العراقي المشارك بخليجي 19 بمطار مسقط وكم كانت فرحتنا كبيرة عندما شاهدنا "عمو بابا " من ضمن مرافقي الوفد !!

فهذا الرجل الثقيل الخطى , في ذلك الصباح , يعني لنا الكثير ويمثل تعويذة فرح وبشارة خير , فهو كان شاهدا على كل أفراحنا الكروية , وله نصيب الأسد من هذه الأفراح , يكفي إنه جلب كأس الخليج لنا ثلاث مرات !!

وعندما تأخر وصول الباص الذي كان مكلفا بنقل الوفد العراقي وقبل ان يسود الهرج والمرج والتذمر في نفوس الواصلين المرتدين "تراكسودات" خضر طالب المدرب البرازيلي "فييرا" الإسراع بنقل "عمو بابا" للفندق وعلى الفور أمر "طه الكشري" نائب رئيس إتحاد الكرة العماني إحضار سيارة خاصة من سيارات ديوان البلاط السلطاني لنقل عمو بابا نظرا لحالته الصحية المتدهورة , فكان له ما أراد !!

بعد ذلك إحتفى عموبابا من المشهد وسمعت بعد العرض المتواضع للمنتخب الوطني إن عمو بابا

بوضع صحي صعب وحين إستفسرت من السفارة العراقية بالسلطنة عن تلك الأخبار أكد لي السفير العراقي الاستاذ عبدالرسول علوش صحة ما سمعت !!

بعد خروج المنتخب المبكر سافر الوفد العراقي وظل عموبابا في مسقط ليحل ضيفا على مهندس عراقي إسمه "جوردن جبرائيل" ثم علمت إنه في المستشفى السلطاني

فذهبت اليه

كان من الصعب علي أن أرى عمو بابا الذي كان يصول ويجول في المستطيلات الخضر بلا جمهور ولا مشجعين ولا .. ولا .... كان متكوما على سرير !!

لم يكن في الغرفة سوى الدكتور جوردن الذي قال لي "عندما التقيت عموبابا لاحظت إنه ليس على مايرام وإنه يشكو من ضعف في النظر فعرضت عليه أن أعرضه على المركز الطبي الألماني للعيون حيث كان به بروفيسور الماني متخصص وبعد الفحص قال إنه يعاني من نزف في القرنية بسبب داء السكري المزمن وإنه يحتاج الى إجراء عملية لكن أدوات هذه العملية غير متوفرة في سلطنة عمان لذا إقترح ذلك الطبيب الذي كان على وشك السفر لألمانيا أن ينتظره في مسقط حتى يعود جالبا تلك الأدوات ولم يكن امام عمو بابا سوى المكوث في مسقط وبعد أيام أجرينا له فحوصات شاملة فتبين وجود حصى في الكلى وتضخم في البروستات و تقرحات في رجليه لذا جلبناه الى المستشفى السلطاني حيث قامت وزارة الصحة العمانية مشكورة بتحمل تكاليف العلاج في المستشفى وكذلك إتصل الدكتور علي الدباغ مرتين بعموبابا ناقلا تحيات رئيس الوزراء نوري المالكي وتحمله نفقات علاجه الذي سيستكمل بمستشفى خاص بعد رسالة وجهها له السفير العراقي الأستاذ عبدالرسول كاظم علوش "

وسؤالي هو لماذا نجعل عموبابا , هذا الرمز العراقي , يعالج على حساب وزارة الصحة العمانية؟ ويقيم ,متحرجا, في بيت هذا العراقي الشهم الذي كلنا نحسده لأنه نال هذا الشرف ؟

هل العراق دولة فقيرة ؟أم أنه مكتوب عليه أن يتناهب ثرواته اللصوص و....و....و.. فيعيش أبناؤه مشردين ؟

متى سنلتفت الى أمثال هذه الرموز بشكل جدي ؟متى نلتفت لغازي الكناني , مثلا هذا الرمز المسرحي الذي أمضى شهرين راقدا فى مستشفى (بيرث ستى للعيون ) لتلف تام فى شبكية عينيه دون أن يسأل عنه أحد ؟

عمو بابا الذي أكد لي إن خيبته بالمنتخب العراقي في لقاءاته مع البحرين وعمان والكويت , سببت له إحباطا سارع في تدهور حالته الصحية , كان سعيدا بهذا الإهتمام شاكرا جميع من ساهم في علاجه لكنه في الوقت نفسه كان يشعر بمرارة من يحس بأن الزمان أدار له ظهره , وأن معاناته كان يمكن له أن تكون أقل لو

يقدم له العراق في سنواته الأخيرة , أطال الله في عمره , مثلما قدم هو للعراق منذ نصف قرن من العطاء !!



 

 







حقوق النسخ © بواسطة .::.كلكامش.::. جميع الحقوق محفوظة.




 

- رجوع -