الأقنعة ودلالاتها
في جنائز معلَّقة

دراسة في المجموعة الشعرية "جنائز معلَّقة" للشاعر العراقي عبد
الرزاق الربيعي
الدكتور مقداد رحيم
لا ينفكُّ الشاعر العراقي عبد الرزاق الربيعي يلجأ إلى تقنية
القناع في شعره، وهي تقنية تتطلب الكثير من المهارة في مراودة
النص وافتراعه من لدن الشاعر، وفيها تتجلَّى ثقافته وقدرته على
توظيف رموزه المختلفة في مآخذه الشعرية، وتطويعها لمراميه.
وفي مجموعته الشعرية "جنائز معلَّقة" نـجدُ جملةً منتخبةً
من الأقنعة التي استحضرها الربيعي لتدافع معه عن أفكاره،
وترميها في مراميها التي يريد، وتُظهرَ مكنونات نفسه
وتهويماتها، وتُغني مدلولات نصوصهِ، وترسُم الخطوطَ البيانية
للقصيدة –الفكرة، والقصيدة -القضية. ففي قصيدته "نوح – طبعة
معدَّلة" يرمي بظلال روحه خلف ابن نبي الله نوحٍ عليه السلام
ويتخذ منه قناعاً يعبر من خلاله عن قضية الغرق والتلاشي
والضياع، على ما جاءتْ به رواية القرآن الكريم لحكايته:
حين أنختُ شريداً راحلتي...
ورأيتُ الأرض بنا عكس القلبِ تدور
سحبوا صوتي من أذنيه...
وقالوا: يا ما قلنا لك
حين ارتفعَ الموجُ
وفارَ التنّور...
اركبْ وطناً رطباً
لكنك قلتَ: سآوي عاصمةً تعصمني
زمناً بور. (ص16)
.....
وإذْ تستعصي النصيحة على ابن نوحٍ فيكون مصيره الغرق
فالهلاك كم جاء في محكم القرآن الكريم (ونادى نوح ابنه وكان في
معزلٍ يا بُني اركبْ معنا ولا تكن مع الكافرين، قال سآوي إلى
جبلٍ يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلاّ من
رحِمَ وحال بينهما الموجُ فكان من المُغرَقين)، فكذلك الأمر مع
الحال التي يريدها الشاعر ويضع نفسه في إطارها:
ارتفعَ الموتُ
وجرجرت الريحُ ذيولَ صراخك
ألقتكَ هشيماً
تتقلّى في وطنٍ زور.
.......
وفي قوله: "فار التنّور" إشارة واضحة إلى قوله تعالى (حتى
إذا جاء أمرنا وفار التنّور قلنا احملْ فيها من كل زوجين
اثنين).
ولكن الشاعر لم يترك القناعَ يتصرَّف بحرية تامة دون أن
يوظف طاقاته للتعبير عنه هو، أو التعبير عن حالةٍ يريدها،
فاستعار الراحلة وفِعلَ الإناخة بها، والزمن البور، وأوجد
الحوارَ بنوعيه الخارجي والداخلي بين ثلاثة أصوات هي: أنا
المتكلم، وهم الغائبين، ونحن المتكلمين، وأزاح شيئاً من لفظ
العِصمة ليعوِّضه بلفظ العاصمة، ثم الوطن الزور.... أليس الوطن
الزور هو وطن الشاعر الأول وهو غريب فيه غربته الأولى، وهو
كذلك وطن غربته الثانية؟، ثمَّ أليس هو الغريق الهالك في
الحالتين كليهما؟. وهكذا سيفعل مع الباقي من أقنعته.
ومثل ما فعلَ مع ابن نوح فعلَ مع كلكامش في قصيدته "هو
الذي بكى"، إذْ يجعل منه قناعاً يستعمله للبحث عن النور الذي
هو الخلاص في مقابل الظلمة التي هي الظلم في عالمه الذي يعيش
فيه، كما بحث كلكامش عن نبتة الخلود في مواجهة قدر الموت
وقهره، وهو يقترح المشهد كاملاً، فيستفيد من حوار كلكامش مع
صاحبة الحان، وشاعرنا مولع بالحوار كعادته، فهاهي تسأله وكأنها
تلومه لوماً شديداً على ما اقترفه من تشرُّدٍ في ديار الغربة،
بحثاً عن مستحيلٍ ليس له حظ من التحقُّق:
-
لمَ لاحَ الغمُّ
-
على صفرة عينيكَ؟
-
علامَ تهيم على وجهكَ
-
في البلدانِ الثلجيةِ
-
والحانات الرطبة؟. (ص27)
........
وهاهو كلكامش-الشاعر يجيب صاحبة الحان على أسئلتها:
- حلّت نازلةُ الموتِ
بـ(أوروك)
النجماتِ الصيفيةِ
يا صاحبتي أيكون بوسعي
ألاّ أشهد ظلمة عالمنا السفلي؟
حيث التصفيقة لصقَ اليدْ
حيث الإنسان بددْ. (ص27)
.......
ويتخذ الشاعر من صوتي كلكامش وصاحبة الحان الأساس الذي
تنبني عليه القصيدة في تناوب مستمر على مدار القصيدة، ولكنه لا
يتركها بدون أن يصل إلى غايته في الإشارة إلى ما حلَّ بوطنه
أوروك-عراق من الموت والهلاك، وإلى غايةٍ أخرى تتجلّى على لسان
صاحبة الحان على شكل نصيحةٍ بالعودة إلى وطنه، بل إلى عالمهِ
الأرضيّ كله ليرسُمَ له صورةً جديدة أزهى، وهنا يتخلَّى الشاعر
عن قنوطه ويتحلَّى بالأمل:
عُدْ للزوجةِ
لَـمِّعْ (إضبارتك) الشخصية. (28)
....
ولـمّعْ أطراف المعمورهْ
عندئذٍ
ستغنّي
باسمِ بلادكَ
شمسُ الأسطورهْ. (29)
.......
ويُفيدُ الشاعرُ هنا من تطابق الحال بينه وبين قناعه في
البحث عن مستحيلٍ والفشل في بلوغه، فإذا كان الخلود مطلب
كلكامش فقد كان الخلاص من ظلم الأوطان وقسوتها مطلب الشاعر،
وإذْ يَرجِعُ القناعُ خائبَ الرجاء، يَرجعُ الشاعر كذلك ليجد
أنَّ الصواب يكمنُ في تصحيح الحال لا في الهرب منها.
وإذْ يفرغُ الشاعر من ابن نوحٍ وكلكامش يجدُ نفسه أمام
سميراميس وجهاً لوجه، بل يتداخل وإياها ويتقنّع بها.
وسميراميس ملكة آشور التي كانت الحمائم تحيط بها وتحدق في
جمالها بعد أن رحلت أمها بعيداً عنها، يُعيد الشاعر من خلال
التقنع بها حكاية حمائمها:
حطّتْ على الطين الحمامةُ
والحمامة عندما تتلفّظُ الأصباحَ
يختلط البياضُ
لذاك خلّفتُ الحصى خلفي. (ص17)
....
ولعله يتخذ من الحَمام معادلاً موضوعياً للأمل الذي عوَّض
للملكة سميراميس غياب أمها كما في الأسطورة، وبذهاب الحَمام
بلا عودةٍ يقبع القناعُ بلا أمل يُرتجى، وهكذا هي حال الشاعر
صاحب القناع:
قلتُ: حين وقفتُ عند العرش في "آشور"
لكنّ التي هدلتْ
على الشبّاك صبحاً
بابتسامتها المليكةِ
لم تعد...
.....
بل لم تعد حتى التي عادتْ
ولم يعد الحَمامْ
........
وفي قصيدته "كابوس" يتخذ عبد الرزاق الربيعي من الحجّاج بن
يوسف الثقفي حاكم العراق وطاغيته على زمن الأمويين قناعاً
لطاغية العراق، ويُلبسه إياه، فيحمِّل القناع مهمة مضافة إلى
مهمته في إخفاء ملامح الشاعر نفسه، فيتأرجح القناع بين وظيفتين
هما وظيفته الأولى ووظيفته كمعادلٍ موضوعي، ويستخدم تقنيةً
"الراوي العليم" وهي واحدة من تقنيات السرد، ليرى الطاغية
متقنِّعاً ويروي ما رآه، فكيف وجدَه؟:
أبصرتُ (الحجّاج) بأوسمة الفتحِ
وبدلتهِ الزيتونيةِ
يمشي كالطاووس
يصيح:
لقد أينعتِ الأجسادُ
ببغداد...
وحان قطاف رؤوسْ. (ص47)
......
وتشخص أمامنا صورتان يرسم الشاعر تطابقاً بينهما: صورة
الحجّاج وهو يقول: "إني أرى رؤوساً قد أينعتْ وحان قطافُها،
وإنّي لَصاحبُها"، وقد فعل ما قال، وصورة الطاغية وهو يقول:
"قد أينعت الأجساد ببغداد وحان قطاف رؤوس"، فيفزع الشاعر من
إمكان تكرر المشهد الذي هو حلم-كابوس:
صرختُ...
فتحتُ العينين
تعوَّذتُ بقلبي
من حلمٍ أصبح كابوسْ.
.......
ولكن نبوءته صدقتْ، وتحقق كابوسه، وفعل الطاغية كذلك ما
قال. وقد أتقنَ الشاعرُ التفريقَ بين القناع والمتقنِّع
باستخدامه لوازم مانعة من خلال عبارتَيْ "أوسمة الفتح" و"بدلته
الزيتونية".
أما قصيدته "على مائدة الملك الضلِّيل" فيتخذ من الشاعر
الجاهلي امرئ القيس قناعاً له، وامرؤ القيس واحد من أصحاب
المعلقات في الشعر الجاهلي، بل هو صاحب المعلقة الأولى،
والملكُ الضلِّيل هو لقبهُ بعد أنْ هرب من الملك المنذر ملك
العراق، وكان أبوه قد قُتل وهو ملك بني أسد فأراد أن يأخذ بثأر
أبيه، ولكنه توفي بالجدري في طريق عودته من أنقرة مستنجداً قبل
أن يتمَّ له ذلك. يقول:
في منتصف الليل يُطلُّ الليلُ بكلكلهِ
يحمل رأسي وكؤوساً فارغةً
في طبق يرميه لإقدامِ الخيلْ. (70)
..........
وفي كلمة "كلكلهِ" إشارة إلى بيت امرئ القيس:
فقلتُ له، لمّا تمـطَّى بصلبهِ......... وأردف إعجازاً وناءَ
بكلكلِ
ولكن الشاعر لا يعني هذا البيت، وإنما عنى البيت الذي يليه
وهو:
ألا أيها الصبح الطويلُ ألا انجلي......... بصبحٍ وما الأصباحُ
منكَ بأمثلِ
لأن البيتين مرتبط أحدهما بالآخر بما يُسمّى الإقواء، وهو
أن يتمم البيت الثاني معنى البيتَ الأول، وقد أراد الربيعي
معنى البيت الثاني متكئاً على البيت الأول، وفيه رجاؤه أن
يتبدد ظلام الليل، ثم أردفَ هذا المعنى بالإشارة إلى الموت،
لافتاً النظر إلى صورته هو من خلال صورة قناعه، وهما صورتان
متشابهتان إلى حد التطابق. وفي هذه القصيدة القصيرة ذات الواحد
والعشرين سطراً يكرر الشاعر كلمة "ليل" ثماني مراتٍ، وبهذا
التكرار تنجلي غايته في التعبير عن حزنه الشديد وإخفاقه في
غايته في الحياة، ويأسهِ الشديد في ما يسعى إليه بعد طول
انتظار. ولو أعاد الشاعر قراءة مجموعته هذه لوجد الليلَ
متفشياً فيه، وما أظنَّ ذلك اعتباطاً، فتأمَّلْ.
ويجدر بنا ألاَّ نتجاوز الليل وهو يلقي بكلكلهِ على مخيلة
الشاعر ويثقل صوره دون أن نشير إلى أنه المعادل الموضوعي لما
يراهُ يحلُّ بالعراق وطنِهِ، وأنَّ قناع امرئ القيس في هذه
القصيدة أتاحَ له أنْ يعبِّر عن صدقِهِ في التعامل مع ليل هذا
الوطن، وإخلاصهِ في عمل شيءٍ ما من أجل انحسارهِ، والتبشير
بصبحٍ ينثر نورَهُ عليه مثل باقي الأصباح، وقد رأيناهُ وهو
يستبدُّ به شعورٌ بالثأر على نحو ما رأيناه عند امرئ القيس.
وأهمُّ أقنعة الشاعر عبد الرزاق الربيعي هو مالك بن فهم
الأزدي، الذي هاجر من اليمن بعد سيل العرم ليكون أول مَن ملكَ
الحيرةَ وبسطَ سلطانَه عليها في العراق. كان ذلك قبل الميلاد،
فما شأنه مع شاعرنا؟. بنى الشاعر قصيدته "سماء متحركة"، وهي
أطول قصائد هذه المجموعة، على صوتين كان أحدهما صوت مالك هذا،
وهو صوت الشاعر نفسه، وهو ما يشدُّ انتباهنا إليه، فإذا كانت
الحِيرة وطنُ الشاعر منفى قناعه اليماني وقد وجد له فيها مأوى
وسلطاناً، فهل سيجد الشاعر العراقي له منفى وسلطاناً في اليمن
وطنِ قناعه؟. أتراه إلى هذا التضاد والتعاكس يقصد في قوله:
قل للبرية (مأرب) ماتَ
فيا أيها (الأزد)
هيا نفرِّق أشواقنا تحت أفق البسيطة
ما دامت الريح عكس اتجاهاتها. (ص53)
........
ويؤكّد الشاعر خبر موت (مأرب) مرة أخرى:
ولكن (مأرب) ماتَ...تركناه
نهباً لكل رياح الشتاء العنيفةِ
يبكي وحيداً...
فهل أخطأت سفني
وأصاب الشتات؟
وهل لي بكأس يدير السماء الغريبة
والصبح إذ يكفهرّ
بوجهي
فأسلم أمري إلى الليل
حتى يغط (السنونو) بنومٍ هنيٍّ
على غصن منفى حميم
كأمّي. (ص55)
.......
ويبدو أنه لم يُصِبْ ما كان يُؤمِّل، فقد بقي إلى نهاية
المطاف متعلقاً بـ "لعلَّ":
فلعلَّ المنافي تؤوبُ إلى رشدها
ولعلَّ رجال الثلوجِ
يكفُّون من لعبة الذوبان ببابي
لعلَّ الزمانَ
ينام قليلاً على المصطبة
كي أصبَّ العشاء
لمن ثكلته المنافي
وفي الصبح نمشي معاً
كي نعمر نُصبَ الفراغ. (ص61)
.......
فهل ستثكله المنافي كما ثكلَ هو وطنه؟. إنَّ قصيدة " سماء
متحركة" هي من أهم قصائد "جنائز معلَّقة"، وفيها من الغنى
وتعدُّد وجوه الإبداع في التقنية والبناء فضلاً عما له علقةٌ
بموضوع هذا المقال، ما يحتاج معه إلى دراسة خاصة بها.
ونظرةٌ متأمِّلةٌ في أقنعة عبد الرزاق الربيعي في هذه
المجموعة تكشف لنا عن ثقافته العريضة، واهتماماته المتنوعة،
وقد تراوحت بين الأسطورية كما في "كلكامش" والتاريخية الممزوجة
بالأسطورة كما في "سميراميس، والتاريخية المحض كما في
"الحجّاج" و"مالك بن فهم الأزدي"، والأدبية كما في "امرئ القيس"،
والدينية كما في "ابن نوح". ويبدو لي، تأسيساً على ذلك، أنه
مولع بالبحث عما يمكن أن يُغني به كلٌّ من التاريخ بعلو قامته
والأسطورة بمداها الطرائفي الواسع الشعرَ، ويبعث فيه روحاً
جديداً ومثيراً، وأنهما ما زالا مؤهَّلينِ لذلك، وله الحق.
وهكذا وجدناه كلما يعثر على ما يناسب قضيته من ذلك لا يتأخَّـر
عن توظيفه والإحسان في استغلاله، والإفادة منه، على نحو ما
أشرنا إليه من التصرُّف في عيِّناته وإعادة صياغتها، لتتواءم
ومراميه، ولا أُبرِّئهُ من تمريرِ شيءٍ من خصوصياته أحياناً من
خلال الإغراب والترميز والإشارة الخفيَّة.
وفي كل هذه الأقنعة التي اتَّكأ عليها الربيعي مما وقفنا
عليه وجدناهُ يائساً مهموماً، يسحقه الحزن، ويحيط بنفسه الشعور
بالفقد والضياع، ويسيطر عليه قَدَرُ المنفى، ولكنَّ لكلٍّ منها
نكهتَه الخاصة وأجواءه الفريدة، كما وجدناه ناقداً لمّاحاً ذا
موقف إزاء بعض ما يجري في الحياة الآن.
إنَّ عبد الرزاق الربيعي شاعر يشترط في قارئه أن يكون
مثقفاً، ليستطيع الوقوف بوجه فوران قصائده بعميق المعاني وطريف
الدلالات، ِلتهبه بعد ذلك أحلى ثمارها. وأكادُ أن أزعمَ أنه
يحاول أن يجعل التاريخ مقروءاً، والأسطورة مشاعةً، فيعيد إلى
الأذهان ما يمكن أن يقوم به الشعر من مهام جديرة بالتقدير.
وإذا كانت هذه دلالات أقنعته وهي بهذا العمق والتأصُّل، فإن
قصائده الأخرى لا تعدم إشاراتٍ أخرى من هذا القبيل خارج تقنية
الأقنعة.
................................
- نشرتْ في مجلة عمّان الثقافية العدد 123 – أيلول 2005.