الى رشا فاضل مديرة موقع كلكامش المبهج

 

حيـــــرة

احتفاءً بعَبدِ الرَزّاق الرُبَيعي

موجز اخطاء العالم

من الحدائق المعلّقة الى الجنائز المعلّقة

الغربة هاجسا ً شعرياً

توضأنا بعشق الاختلاف

 

عصرية في مرحاض بعيد

عبـــر الاثيــــــر

 

  



 

غربة الوجدان والرؤى في 
 
شمال مدار السرطان

 

محسن حسين عناد  

 


اشتمل ديوان ( شمال مدار السرطان ) للشاعر عبد الرزاق الربيعي على ثلاث وأربعين قصيدة موزعة على مساحة وأبعاد مختلفة للواقع الحياتي .
 
فلكل قصيدة مضمون ولها ثوابت جديدة تفصح عنها تجلياتها وانفعالاتها واستقلالها التي لا تلتقي مع غيرها في التوجه
 
لكن يجمعها نسغ التصاعد المحمل بالحيوية وبذلك أشعرنا الربيعي بحقيقة مفادها أن إمكاناته الشعرية تعتمد على الاستمرار والتنوع في تناول الحدث والموضوع وتبيان الحزن والغربة اللذين يشكلان جزءا ً واسعا ً في مساحة الديوان . يقول في قصيدة ( مفتاح الباب الشرقي ) :
 
الأمّ البيضاء الملتفة بعباءتها البيضاء
الواقفة في سرة ( حديقة الأمة )
الأم التي يحدها شمالاً ( جواد سليم )
غرباً  حمامة ( فائق حسن )
و ( مطبعة عشتار )
الأم التي هي أم أحدهم
(
ميران السعدي ) مثلاً
في سطوعه
تغدو لغة الشاعر تمثلا للغة التراث الشعبي من دون الوقوع في التقليد فالتضمين والإشارة محاولة لإشاعة مناخ لغوي يستفيد به أسماء وشواخص صارت شواهد على ديمومة ثوابتنا الوطنية وفنه وذكرياته التي بقيت عالقة بذهن الشاعر على الرغم من بعده عنها لكنه يدركها بوجدانه وترحاله لأنه يؤمن أن العالم متغير دائم الحركة . إذن تجربته الشعرية وعلى وفق ذلك ستكون متغيرة ومتعددة تتسع لعدد من المواقف والرؤى الموزعة بين حب وحذف وغضب وهذه الأمور جديرة بأن تصوغ اللغة الشعرية التي يستطيع حملها وإيصالها متدفقة مفعمة بحرارة الشوق أينما يذهب وفي أي مكان يستقر . يقول في قصيدة دبيب :
في درس » الجغرافيا «
كنا نفرش الأطلس بنشوة
ونتساءل :
                                                                                        •  
أين يقع بيتنا ؟
•   
وسط هذه النقطة
                                                                                         • 
ومدرستنا ؟
• 
وسط ذات النقطة
                                                                                            •
ومعمل السكك
حيث يقف والدي
ببدلته الزرقاء ؟
                                                                                               •
ذات النقطة
…     ..
.   .     .  .
بعد الهجرة
فرشت ،، الأطلس ،،
أشرت إلى الطريق الموصل
إلى بيتنا بالأشبار
فلقد صار دبيبي
واضحاً
على خارطة العالم
لقد تضافرت في القصيدة شاعرية الرؤية . رؤية الأحداث من مختلف جوانبها وفي أطرها الاجتماعية  والسياسية فأشاعت مفرداتها الغربة التي تتكرر كثيرا في قصائد الشعراء إلا أنها في قصائد الربيعي تنحو منحى آخر ، إنها ليست بالابتعاد عن الأهل فقط إنما هي غربة الوجدان الفني والروحي للشاعر التي تصوغ تأملاته الباطنية وترتاد مجاهله بلهفة ، هي غربة ذات قدرة على التحرك والتحول أي إنها تخطو و تتكثف وتتحول إلى غربة من نوع خاص لكنها لا تنقطع عن الأبعاد الإنسانية . فغربة الربيعي تعبير عن إحساس الإنسان بأنه على غير وفاق مع الزمان والمكان بما فيهما من علاقات خارجة عن مألوفها فالخيط الذي يربطه بهما خيط وهمي يشعر أن الغربة تتعارض مع المكان  ومفرداته على صعيد المعايشة والمستوى الإنساني بحيث تشكلت لديه رؤية جديدة للعالم أفرزتها غربته وطول ترحاله والتي تركت بدخائله هاجسا إبداعيا الأمر الذي جعل تغيير المكان عنده يفضي إلى تغيير رؤيته ولكن حجم التغيير في الرؤية مرهون بحجم المعايشة والمعاناة لأن المكان يعطي للشاعر مساحة كبيرة للبوح بالوعي وهذه المساحة تكبر أو تضيق على وفق ثقافة الشاعر لذلك يمكن القول إن توضيح الرؤية يتصل بالزمان والمكان اللذين يشكلان العون في نجاح التجربة الشعرية . يقول في قصيدة ذكريات :
وسط الزحام
رأيت ذكرياتي تذرع الشوارع
ورأيت السماء
محدودبةً بغزارة
من كثرة حنوِّها
على وحدتي الجريحة
فذكريات الماضي عند الشاعر تمثل إبقاء واسترجاعا تجعله حائرا أمامها فهي تفقد قدرتها وتأثيرها إذا لم تكن ذات صلة برؤيته الجديدة المحملة بشكوى الحاضر والمضافة لرؤيته السابقة . فالقصيدة التي تستجيب لنداء الضوء المنبعث من أجمل ما في الماضي إنما تؤصل جذورها وتمدها إلى العمق البعيد لتكتسي بملامح النهوض . فلذلك لا تنسى خبرات العصر لأن الوقوف بثبات تحت سماء الاجتهادات والتجديد يعد اندفاعات  إبداعية . فالصدق الذي يفرز صورا شعرية جميلة تعبر عن حالة الصدام بين ذاكرته ومنفاه الاختياري بحيث تكون حالة ألم وحزن وضيق في دخائله التي تشير لهواجسه التي تشكلت من زخات الحزن الذي يهطل عليه ومن شروده كطير دائم الترحال لينتهي أخيرا إلى الاغتراب والرحيل الدائم وهذا ما حقق في ذهنه اشتداد الصراع وتناغمه مع  الماضي . يقول في قصيدة ( قلوبنا وصلت شكرا لساعي البريد ) :
قلوبنا التي وصلت
وصلت مبللة :
مثل وقوف الأمهات بانتظار البحارة الغرقى
بعد أن شبعوا موتاً
وحصى
وزرقة
ويقول في القصيدة ذاتها :
قلوبنا التي وصلت
وصلت تالفة :
أُغادر ( عمّان ) مثلما ولدتني مدينتي
عارياً إلا من الأورام
أورام بسبب البطالة السميكة
أورام بسبب احتراق الإقامة
…  
بسبب جاري الذي لم يقل لي
(
صباح الخير )
فالصورة عند الربيعي لم تكن مجردة إنما صورة الأحاسيس والرؤى صورة التجارب الحياتية الواسعة والمتشعبة . الإحساس بوطأة الحياة خلقت في نفسه تساؤلات ومشاعر كانت وسيلة في نقل تجاربه الشعرية إذن هي تركيبة عقلية وعاطفية معقدة تعبر عن نفسية الشاعر وتستوعب أحاسيسه وتعينه على كشف معنى أعمق ، كون الصورة في العمل الشعري حالة إبداع نخاطب من خلالها الروح والإحساس والعاطفة معا .
فالتصوير الهادف والواقعي تجديد للفعل والحركة من دون زيادة تضر بالصور الجزئية لكي يعطي نصوصه الحيوية ويحملها الإغراء النفسي والمادي بحيث صارت لصيقة بنبضاته ومشاعره فحينما يقول :
إيه يا شواطئ الروح ، هل لازال هناك متّسع لحلم آخر ؟
هل من زاوية أخيرة لمتشرد شرقي قديم ؟
هل في هذه الأكوان المترامية فسحة بحجم أضفر اليد
لنعتصم بها احتجاجاً ؟
لقد أعطى الشاعر لعذابه كثافة واستمرارية توضح أنه على وشك السقوط ومما يزيد من إحساسنا بثقل هذه المحنة قوله :  هل من زاوية أخيرة لمتشرد شرقي قديم ؟. بهذه الصيغة هيأ الشاعر لقارئه إحساسا ً بأن معاناته عكس ما هو مألوف  ليس لوطئتها أن تخف أو تتراخى لكنها تتصاعد وبالدرجة نفسها التي عليها في البداية . فالتدرج أو النمو الحدثي واضح على مستوى القصيدة ككل أو حتى على مستوى كل مقطع على حدة . إن الأبيات تندرج في وحدات لا يمكن أن تتبادل المواقع كل مقطع يبدو كأنه وثيق الصلة بموقعه .
إن النقلة في أفكاره وأدائه وفي أغلب قصائده لهي جزء من المسار الجديد الذي يسعى إليه الربيعي بحيث يحث الخطا نحوه من خلال تعميق الوعي ليتمكن من احتواء تجربته والتعبير عنها لتكون امتدادا طبيعيا لأفكاره التي تؤكد في أكثر ديوانه على مسألة التكثيف في اللغة والابتعاد عن الاستطراد وتوضيح الصورة العامة ضمن الضربات الفنية التي يجيدها . تبقى اللغة عند الشاعر مميزة ثائرة مملوءة ومتمردة تضيف لنسغ الفعل والحركة تصاعدا يحتضن مجمل تجربته الشعرية البعيدة عن الحذلقة والدوران . فاللغة في الديوان تطفح بالقلق المحاصر والحزن مكتوم فجرته المرارة التي تمارس دورها يوميا معه مرارة البعد والترحال والغربة التي لها أهمية كبيرة في صياغة مفرداته وصورة تجاربه . لكن القصيدة ومهما قلت فيها تبقى ناقصة وإن اكتنزت أفعالها ما لم تكن قريبة من القارئ لأنها تظل مفتوحة بانتظار ملئها بالدلالة والمغزى وعلى الشاعر أن يحرص على تضمين موضوعاته الشعرية وتوصيلها سليمة للآخرين . وهذا ما وجدته في قصائد الديوان من تداخل نغمي وجريان للإيقاع في كيان كل قصيدة ومغادرته لمحيطه الخاص و الانغماس في العام ، لأن القصيدة تمتد حتى أعمق نقطة في النفس والضمير مما يجعل الأثر الشعري المنجز أثرا ذا دلالات تتفجر و تتشظى في اتجاهات عديدة تنتهي إلى مديات أبعد

 

 


  
مكتــبة كلـكامـش

 

.: مواقع صديقة :.





 

 

 

لقاءات اذاعية وتلفزيونية

نصوص مهداة للشاعر

البوم الذاكرة

أبصر( الحجاج ) ببدلته الزيتونية

خطى كلكامش

خواطر عن عبد الرزاق الربيعي

عبد الرزاق الربيعي...نسمة باردة في صيف عراقي

عبد الرزاق الربيعي .. الشجن في ثياب التجلي

شادي في ثلج فيروز


نكهة الوجع العراقي