مصادرة الشاعر بعد رحيله
 

 

عبد الرزاق الربيعي
 

 




ما أن يلفظ المبدع أنفاسه حتى يهرع الناشرون لطباعة مسوداته وجمع أوراقه المبعثرة وقصاصاته غير عابئين إن في هذا العمل إعتداء على خصوصياته , ففي حياة كل مبدع الكثير من المشاريع المؤجلة والنصوص غير المكتملة والأوراق المهملة , فهل من الصحيح أن نترك إنجازاته التي خرجت للنور بإشرافه ومتابعته وننشغل بأوراق مهملة مركونة في خزانة النسيان ؟ خصوصا ان شاعرا كمحمود درويش خلف نتاجا شعريا غزيرا ولا يحتاج الى نشر قصاصات ليست مكتملة عند إستذكاره "صدر بعيد ميلاد الشاعر 13مارس الماضي " ألا يدخل هذا في باب المتاجرة والإعتداء على حرمة الميت؟
دارت في رأسي هذه الأسئلة وأنا أقرأ مقالا للناشر رياض نجيب الريس صاحب "شركة رياض الريّس للكتب والنشر"ببيروت التي طبعت الديوان الأخير للشاعر الكبير الراحل محمود درويش "لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي" حمل عنوان مَنْ صادر محمود درويش؟ وفيه يصب اللوم على إلياس خوري الذي أنيط به إعداد وتحرير وتبويب الديوان الذي وردت به "أخطاء تتعلق بالوزن والتقطيع والتنقيط والتحريك،

 ما كان يمكن للشاعر الراحل أن يرتكبها لو كان حيّاً. وهذه الأخطاء أساءت كثيراً إلى سمعة الشاعر وقيمة الديوان" كما يقول الناشر إستنادا الى مقالات نشرت لشوقي بزيع في "السفير" ومحمد علي شمس الدين في"الحياة" وآخرين ويضيف الناشر" قد يتساءل القارئ لماذا لم يتعرض أي ديوان من دواوين محمود درويش السابقة والتي نشرت حتى الآن، إلى هذا الكمّ من الأخطاء؟ الجواب أن الشاعر الراحل كان يرسل لنا مخطوطاته بخط يده (المجموعة الكاملة موجودةلدينا)، وكنا نتبادل الآراء بشأن العديد من الأمور اللغوية التي كانت ترد في النص الأصلي، وكان الشاعر الكبير يتقبّل ذلك بكل تواضع ورحابة صدر. بعكس ما حصل بعد رحيله من قبل مَنْ تولى مسؤولية التحرير والتبويب والإعداد"
ومادام الريس يعرف هذا فلماذا إنبرى لطباعة هذا الديوان بهذه السرعة ؟


إن هذا العمل يذكرني بالديوانين الصغيرين اللذين أصدرتهما وزارة الإعلام العراقية عام 1972 للشاعر بدر شاكر السياب حمل الأول عنوان "البواكير" والثاني"قيثارة الريح" وضما نصوصا من بدايات السياب الشعرية فلم يضفا شيئا لتراثه الشعري إن لم يكونا قد أساءا له فهما من الشعر التقليدي الذي تختلط به أصوات الآخرين كبدايات أي شاعر وأهملا نقديا إن أوراق الشاعر مسؤولية كبيرة يجب التدقيق بها قبل إخراجها للنور وعلى من ينبش تلك الأوراق عليه أن يكون على قدر المسؤولية لكي لا يساء للشاعر وهو في قبره , كما حدث لأحد الشعراء اليمنيين الذين رحلوا قبل سنوات حيث قامت مجلة "الحكمة" التي تصدر عن الإتحاد العام للأدباء والكتاب اليمنيين بإعداد ملف حول ذلك الشاعر وتضمن الملف نصوصا لم يسبق أن نشرها الشاعر , وخلال تصفحي الملف النصوص لمحت نصا للشاعر د.علي جعفر العلاق فإستغربت هذا , فكتبت مقالا نشرته في الملحق الثقافي لجريدة "الثورة" اليمنية معبرا به عن دهشتي وإستغرابي طالبا تفسيرا مقنعا من الذين أعدوا الملف ,وإتضح فيما بعد أن النص وجد بين أوراق الشاعر وبما إن الذي عثر على تلك "الدرة الثمينة"لم يجد إسما على النص لذا نسبه الى الشاعر الراحل مستندا الى حجة واهية تتمثل في ورود إسم "فاطمة" في النص وهو إسم زوجة الشاعر !! فأساء اليه دون أن يدري وهكذا فهذه الأعمال التي يقف وراءها الهدف التجاري تسيء لتراث الشاعر الراحل أكثر مما تنفعه , فهل يتوجب على الشعراء إن دنى منهم جناح ملك الموت أن يتلفوا أوراقهم الخاصة لكي لا يساء اليهم كما أسيء الى الشاعر الكبير محمود درويش في نصوصه التي لاتنتهي ؟

 

 

 


حقوق النسخ © بواسطة .::.كلكامش.::. جميع الحقوق محفوظة.




 

- رجوع -