




|
عبد الرزاق الربيعي يقتفي طفولته في "مطار بغداد" عاصم الشيدي
يختار عبدالرزاق الربيعي البيت ثيمة رئيسية في كتابه الجديد "14 ساعة في مطار بغداد" لتدور حوله رحلة عودته إلى وطنه العراق، بعد ستة عشر عاما من الهجرة. يختار البيت بكل ما يحمله من دلالات محتشدة بالشوق، والرغبة، والخوف، والحنين، والبكاء، وبذكريات سنوات طويلة، وطفولة متخمة بالأحداث في بلد هو الآخر متخم بكل المتناقضات، والمتغيرات، على مستوى الأمكنة والشخوص. لذلك ليس غريبا أن يسيطر على عبد الرزاق نشيج داخلي يمكن الإمساك به من بين ثنايا اللغة، ومن لحظات الصمت التي كان يقابل بها الكثير من المواقف خلال رحلته الحافلة إلى أرض الأحلام. واتكأ الربيعي في كتابه الذي صدرت طبعته الثانية مؤخرا عن دار الدوسري ضمن سلسلة أسفار، على قصيدة كان قد كتبها منذ سنوات، وشكلت نبوءة لزيارة تأخرت ستة عشر عاما لكنها مليئة بتفاصيل اللحظة الراهنة للزيارة، حيث كتبت القصيدة في عام 1994، وكانت صورة العراق ما تزال مختلفة رغم كل شيء عن الصورة المشوهة الحالية، وأنهار الدماء لم تكن بتلك الحدية. يقول عبد الرزاق: عندما تعود إلى الوطن لا توجه وجهك صوب البيوت والمدن والحدائق أعط وجهك المقبرة هناك .. هناك ستجد الكثيرين ممن تود أن ترى ويودون ان يروك ولو من تحت تراب الذكريات" هذه النبوءة الشعرية تحققت إلى حد كبير خلال عودة الربيعي إلى العراق، فكان أركان البيت قد رحلوا، والده، ووالدته، وجدته، والكثير من أصدقاء الطفولة والذكريات، ومن رفاق الكلمة والحرف الذين صاحبهم الربيعي خلال مشوار حياته. لم يبق من ذلك أي شيء، ذهب إلى "حيث تشاء النهايات المفتوحة" على حسب عبد الرزاق الربيعي الذي واصل يقول: إذا صادفتم موتا ضالا في أحد شوارع بغداد لا تأخذوا بيده بل قولوا له: تفضل أنت في بيتك أيها الخراب". كانت عودة عبد الرزاق الربيعي إلى العراق رغم أنها كانت خاطفة ولم تدم طويلا، وقضى منها 14 ساعة "مشردا" في مطار بغداد، إلا أنها عودة إلى الحياة المتشظية المتناثرة في العراق في كل مكان، والتي وصل بها الحد إلى عدم التفريق حتى بين المتناقضات، فالنور والظلام سواء هناك، وانقطاع الضوء فجأة والدخول إلى ظلام دامس لا يشكل أي خدش للمشهد كما نقرأ في تفاصيل الكتاب. والبيت الذي عاد عبد الرزاق ليقتفي أثره في الحقيقة، رغم فشله عبر التكنولوجيا حيث حاول عن طريق "جوجل إرث"، استطاعت ذاكرته أن تكتشفه "ربما لأن التراب ينشط الذاكرة ويدل على نفسه" لكن للأسف كان ثمة بيت شائع ومشهور ظل عالق في مخيلة الربيعي خلال زيارته يقول: "يا عودة للدار ما أقساها أسمع بغداد ولا أراها" مؤلم هذا البيت، وقاس حد البكاء.. أن يعود مشتاق إلى وطنه ستة عشر عاما، لكنه يبحث عن نفسه فيه، وفي ذكرياته فلا يجدها، ولا يراها.. ولا يظفر إلا ببقايا الخراب المتناثر في كل مكان، وبذاكرة تحارب من أجل البقاء. لكن رغم كل شيء ظل التفاؤل والتماهي مع البيت/ الوطن ظاهرة بشكل حاد حتى في ساعات المطار القاسية، والتي أشعلت كل تفاصيل الكتاب، وبدأت تتساقط كتساقط المطر خارج مطار بغداد فيما الزجاج، والحواجز الأمنية تمنع الربيعي حتى من مشاركة السماء البكاء قليلا فوق تراب بغداد. كان التفاؤل حاضرا بقوة. يقول الربيعي ردا على ابنة اخته التي سألته سؤلا مباغتا بينما كان محتجزا في المطار " خالو، هل ستزورنا ثانية؟" فقال: لا يوجد سبب يمنعني من تكرار الزيارة، فما حصل معي حصل مثله لكثيرين في أماكن مختلفة". وليست هذه الإشارة إلا من باب تأكيد أن ما مر بذلك الوطن أكبر من أن تختزل قسوته في جلوس لمدة 14 عشر ساعة في مطار بغداد، رغم أنها كانت كافية لنبش سيل من الذكريات، وسيل من الهموم التي ظلت متاخمة لتطور الذاكرة، وسيرورة الحياة لدى الربيعي.
|
|