محمد شكري وعزلة طنجة

 

عبدالرزاق الربيعي

 

 

عندما سئل (بول بولز) عن كتاب ساوير لوصانو (بولز المتفرج الخفي) أجاب: أنه كتاب تافه يزيف الحقائق ويسئ إليه.

وفي حوار أجراه الكاتب شاكر نوري مع الكاتب (بول بولز) ونشر في جريدة (القدس العربي) تهجم (بولز) على كتاب (بول بولز وعزلة طنجة) الصادر  عن (منشورات الجمل) وأعتبره كتابا ملفقا لا علاقة له به، وعندما اطلعت على الكتاب عرفت سر هجوم (بولز) على (شكري) وذلك لأنه كتاب يتعرض إلى حياة الكاتب الشخصية وعوالمه السرية الغامضة، وهي عوالم خارجة عن الأعراف الغربية حتى، بدءا من ادمانه على الكيف، ومرورا بشذوذه وزواجه من الكاتبة (جين بولز) وكانت شاذة أيضا رغم أنها , كما يصف شكري(ذات أخلاق صارمة، محتشمة، فهي رفضت عندما أصيبت بمغص هضمي أن تكشف للطبيب عن جسدها) وفي موضع آخر يقول (شكري) عن (جين) (انها وحيدة مزاجها وأفكارها، رغم أنها كانت تعيش علاقات حميمة متحررة مع نساء من بلدها وغير بلدها، فانها لم تسمح لبول أن يمارس معها الحب الا عند الزواج منها) وهكذا يواصل سرده بهذه الفضائحية - عرف بها (محمد شكري) من خلال روايته الشهيرة (الخبز الحافي) والتي تناول في سيرته المليئة بالتشرد والخروج على التقاليد الإجتماعية بجرأة جعلته يلفت له الأنظار، - فليس من المستغرب أن يركز في كتابته عن (بولز) على هذه العوالم السرية، والتي توصل إلى معرفتها من خلال علاقته الحميمة بالكاتب فكشف عن القناع الاجتماعي الذي تختبئ خلفه حياة الكاتب الخاصة منطلقا من قول جينيه في (الأسير العاشق) (ان حياتي المرئية ليس سوى خدعة جد مقنعة)، فوجد في حياة (بولز) الشاذة مع زوجته (جين) مادة مثيرة لكتاب عن (طنجة) الي كانت محط أنظار الكتاب والفنانين منذ بداية الستينات مثل (ترومان كابوتي وجاك كرواك، والفريد تشستر وبراين جيسن الذي ظل في (طنجة) خمسة وعشرين عاما ولم يغادرها حتى ارغمته العناية الطبية اليومية على العيش في باريس (طنجة) المدينة التي اعتبهرا مارك توين في زيارته لها عام 1867م أنها أقدم مدن العالم ووجدها جنة لأنها (المكان الذي كنا نرغب فيه من قديم.. كنا نريد شيئا كاملا ومختلفا تماما) وقد اكتشف ذلك (بولز) ولذلك ما يزال يقيم فيها منذ ثلاثين عاما والتي جاءها ليقضي فيها (صيفا مثل العابرين بها فإذا به يخلفد فيها) لأنه وجد فيها شعبا منسجما مع تخيلاته- كما يقول في روايته (دعه يسقط)- وقد رجع (شكري) إلى روايات (بولز) والمقابلات التي أجريت معه لتفسير الكثير من المواقف الحياتية ويبقى (بولز) هو المصدر الأول لكتاب (محمد شكري) الذي ربطته معه صداقة حميمة حيث يذكر العديد من المواقف من بينهاالموقف التالي الذي جرى عام 1991 بعد حرب الخليج الثانية حيث  يقول (وجدته ظهرا في سوق شارع (فاس) يداعب قطة صغيرة سألته عن رأيه في حرب الخليج الساخنة فأجابني بهدوئه المعهود: إن ملاعبته هذه القطيطة الآن أفضل في رأيي من كل كلام عن هذه الحرب القذرة، لكن مع ذلك فان بول له رأيه فيها: ( لقد تم قصف العراق بشكل عنيف جدا، ولم يكن من الضروري الوصول إلى هذا الحد لكن السيد (بوش)-يقصد الأب-  أراد أن يبين بأنه قوي، انني مقتنع بأن الأمريكيين كانوا مرتاحين، لقد قالوا عندها: أن اهوال حرب الفيتنام قد أمحت، وها نحن قد استرجعنا قوتنا وعظمتنا) وهكذا يتابع (بولز) أحداث العالم من حوله رغم أنه يعيش (عزلته) ككاتب ينيف عمره على التسعين عاما.

لو جزأنا عناصر هذا الكتاب لوجدنا أنه يتألف من عدة أجزاء متداخلة مع بعضها: طنجة، بول بولز، جين بولز، محمد شكري، هذه العناصر الأربعة تشكل محور الكتاب الذي كتب بلغة عميقة، رغم أنها تقترب من اللغة الصحفية لكنها ترتقي بها إلى مستوى لغة الرواية الحديثة.


 


جميع الحقوق محفوظة © بواسطة .::.كلكامش.::.

 

- رجوع -