إحتفاءً بعَبدِ الرَزّاق الرُبَيعي
ربع قرن من الصداقة في الحياة والشعر



 

فضل خلف جبر

--------------------------------------------------------------------------------


قبل البدء


قصدني ذات يوم شخص طلبا للمساعدة في شأن من شؤون الحياة. لم أكن أعرف الرجل. رحبت به كما يقتضي الحال ولعدم وجود ما يمكن أن يكون فاتحة حديث فقد تولى ضيفي زمام المبادرة قائلا: أعتذر لأن(....) لم يتمكن من المجيء معي! قلت بكل ما أملك من حسن النوايا: ومن هو (....) يا ترى؟ أطلق الرجل ضحكة صغيرة مهذبة ثم قال: حسبت أنك سمعت عنه ..أجبت: وهل هو في موضع مميز يجعله معروفا للجميع؟ استدرك الرجل قائلا: لا..لا إنه ليس ممثلا أو شاعرا أو .. اسمع يا صاحبي ..هل تسمح لي بأن أقدم لك صديقي؟ وهنا علي أن أعترف بأنني فوجئت بطلبه لكن اللعبة استهوتني لطرافتها. وما أن أعطيته الأذن ليحدثني عن صديقه حتى إندفق الرجل كالسيل مشرقا ومغربا في الحديث عن شخص صديقه ...كانت دهشتي تزداد كلما توسع هو في محاور حديثه .. وكنت أقرأ في ملامح وجهه شيء ما يدل على متعة وزهو وصدق وإخلاص وإيمان عميق! وحين ودعني الرجل منصرفا كان قد انتهى من تأمين غرضين: قضاء الحاجة التي جاء من أجلها وموعد أكيد يجمعنا نحن الثلاثة: هو وصديقه وأنا.
لقد مرت سنين طويلة على هذه الواقعة لكنني ما زلت أعجب منها وما زالت طازجة وشهية في ذاكرتي وهي بالإضافة إلى كونها تزخر بسيميائيتها الهائلة فإنها أسهمت إلى حد ما بلفت انتباهي إلى قضية في غاية الأهمية وهي موضوعة الصداقة. وقد بدأت بملاحظة كيف أن الناس في مشارق الأرض ومغاربها يحتفلون سنويا بشتى المناسبات والأعياد. وهم لم يتركوا عنصرا فاعلا وحيويا في الحياة إلا وكرسوه في طقس أو شعيرة أو احتفال: الحب الزواج الأم الأب الشجرة الاستقلال العمل الميلاد وقبلها جميعا أعياد الروح طبعا. وقديما لم يترك الناس شيئا تقريبا إلا احتفلوا به بطريقة ما وقد حفظت لنا ميثولوجيا الشعوب وتراثها ما يفوق الحصر .


ومما يدعو إلى الدهشة أن الناس قديما وحديثا لم يولوا الصداقة الاحتفاء الذي يتناسب مع شدة اهتمامهم بها. فالعرب مثلا يعدونها إحدى وشائج الاقتران ومن أسماء الصديق عندهم " القرين " و"الصاحب " فهي بمنزلة الأخوة. ويكاد يصبح في عداد المستحيل اكتمال عناصر السعادة لإنسان ما ذكرا كان أو أنثى دون صديق يتمرأى من خلاله ويكون له بمثابة المعين ومستودع السر والناصح الأمين .
إنني شخصيا قررت أن أكون أول من يلبي دعوة الضرورة فأحتفل بصديق قاسمني الحياة ما يربو على ربع قرن من الزمان إنه الشاعر عبد الرزاق الربيعي.

إن أسبابا عدة كانت تقف وراء رغبتي المخلصة في استعراض بعض من صور حياتنا المشتركة وكذلك إعطاء نفسي الحق في عرض بعض الصور الشخصية الخاصة بالشاعر منها: أولا محاولة لكسر عادة سيئة وأنانية درج عليها الناس تتلخص في أنهم يبخلون أو يتجنبون الحديث الصريح عن المبدعين والتنويه بإنجازاتهم في حياتهم حتى إذا ماتوا انطلقت الأقلام من عقالها لتدبج المقابلات والدراسات والبحوث ولتقول في هذا المبدع أو ذاك ما لو سمعها المبدعون أو قرءوها بأم آذانهم وأعينهم للعبت دورا كبيرا في إبداعهم ولأطالت في أعمارهم! ثانيا ولسبب يتعلق بالموضوع آنف الذكر فقد شعرت أن من واجبي كمطلع على تفاصيل مهمة من حياة شخصية عامة أن أبادر إلى نقل بعض هذه التفاصيل مما يهم القارئ والباحث الاطلاع عليها من جيب ذاكرتي ووضعها في مكان أكثر أمانا! خوفا من أن تكثر الثقوب في هذه الذاكرة! وثالثا هي رغبة موضوعية للسير بعكس تيار نظرية "موت المؤلف" وسأعود لاحقا لتبرير وجهة نظري حول هذا الموضوع في المكان المناسب من هذا البوح. إذن فأنا على موعد مع صديقي الذي أردت ذات يوم أن ألخص موقفي منه من خلال إهدائي له نسخة من ديواني " آثاريون " ففشلت فشلا ذريعا في اختيار ما يمكن أن يكون استشفافا لجوانيتي نحوه لذلك اضطررت لاعطائه نسخة الديوان دون إهداء مكتفيا بالاعتذار الخجول. وما الذي فعله الربيعي بالمقابل حين صدر ديوانه الأخير " جنائز معلقة "؟ وهو الحدث الذي أعطاني السبب الكافي للاحتفاء بالربيعي، إليكم ما جاء في الإهداء "....مرة أخفقت في كتابة إهداء مناسب يكون بحجم المحبة التي بيننا ..وها أنا أخفق ثانية ..وثالثة ..و..علما بأن هذه هي النسخة الثانية من الديوان ..." وواضح من هذا الإهداء أنه، أي الربيعي، لم يكن أقل عجزا مني في كتابة إهداء. إن لهذه " المحبة " التي يشير إليها الربيعي قصة طويلة سأحاول قدر المستطاع جمع بعض خيوطها ومن خلال العلاقة التي ربطتني بالربيعي صديقا وإنسانا وشاعرا.



الوصول إلى الشواطئ الآمنة




نجحنا عبد الرزاق وأنا في اجتياز موانع الصداقة وعلى مدى ربع قرن من الزمان. وإن مصدر شعوري بغبطة الانتصار والزهو أننا كنا خلال هذه السنين في حالة احتكاك شبه يومي بل انه يومي إلا قليلا جدا! وان ما يشعرني حقا بالسعادة هو إحساسي" بإنجاز" الصداقة وبودي هنا أن أتبسط قليلا لتوضيح فلسفتي الخاصة بخصوص التعبير الذي استخدمته آنفا "إنجاز الصداقة": إنني أنظر إلى الصداقة على أنها علاقة غريزية نفسية غامضة. ومع أنها في الغالب ارتباط اختياري إلا أنها قد تصل في عمقها وتجذرها و فاعليتها إلى حدود قدرية لا يمكن التكهن بها على الإطلاق. وهي، من منظور خاص، مشروع إنساني يسعى لإنجازه كائنان بشريان أو أكثر ومدى إمكانية إنجاز هذا المشروع تتوقف على نسبة الجمال الذي يشع في داخلهما وتكافؤه. ووفق هذا المنظور فإن المتوقع في كل علاقة صداقة إما سيادة "موجبات "الصداقة أو"موانعها ". وبهذا المعنى فإننا نتحدث عن حالة "مفترضة" تكون خاضعة لميثاق شرف غير معلن يرتقي على ضوئه شخصان دفتي سفينة ويقودانها باتجاه واحد.


وميثاق الشرف هذا هو وحده الذي يلزم هذين الشخصين بعدم خرق السفينة أو حرفها عن الاتجاه المتفق عليه حتى يتم الوصول إلى الشواطئ الآمنة . إن غبطة الوصول إلى هذه الشواطئ الآمنة هي التي تملأ كياني حاليا وأنا أنظر في مرآة نفسي لأجدني راضيا سعيدا وأمد البصر بعيدا بعيدا فأجد أرضا متلألئة تتماوج فيها أطياف المحبة والإخاء الخالص والشرف الرفيع وأشجارا باسقة يتدلى منها ثمر طيب ويفوح لها أرج كريم. وأرى أفقا باهرا تتخافق فيه أجنحة رقيقة لذكريات شديدة النصوع. إنني أشعر بمعنى من المعاني وكأن أقدامي تتنقل في جنة أكاد ألمس بريقها بجميع حواسي! فقد انتهت حالة التجربة بيننا كصديقين. وخضنا تلك التجربة بمسراتها وشدائدها. وقطعنا بحر الغموض بأناة وجلد وشجاعة فائقة دون أن نترك لموانع صداقتنا أن تدق إسفينها في سفينة رحلتنا المدهشة حتى تمكنا من إنجاز ذواتنا كصديقين. الآن لا خوف علينا منا. مدى الود بيننا شاسع وأرضه من ربيع.




الشاتم الجميل




أستحضر صورة عبد الرزاق الربيعي في ذلك اليوم من منتصف السبعينات وهو ينضم إلى "جمعية أدبية"، كنا أسسناها بعض الأصدقاء وأنا، للإسهام في تعميق توجهاتنا الأدبية. كان الربيعي هو آخر عضو ينضم إليها. لم يدم عمر هذه الجمعية طويلا فقد قررنا تفكيكها بعد أق&#