من الحدائق المعلّقة إلى الجنائز المعلّقة


-------------------------------------------------------------------------------

 

د. عبد العزيز المقالح



ما يزال الشعر- حتى الآن- هو الأقدر بين كل الفنون القولية والبصرية على التقاط صورة الواقع بكل أبعادها الكئيبة الراهنة، وبكل أبعادها المحتملة،وهو في دلالاته المباشرة وغير المباشرة أكثر دقة وعمقا في تصوير هذا الواقع ورسم خطوطه المرئية وغير المرئية، وقدرته على مخاطبة الموتى في عالمهم البعيد النائي كقدرته على مخاطبة الأحياء في عالمهم القريب الداني .
وليس صحيحا ما يتردد أو يقال عن انطفاء جمرة الشعر أو إخلاده إلى الراحة بعد أن طوت الرواية زمنه أو كادت ، وأن الفنون القولية الأخرى قد أخذت مكانته ، فما يزال الشعر بين فنون الإبداع يشكل قوة الخصوبة والعطاء، وما يزال الشعراء الجادون يؤكدون قدرته على تجاوز أنواع الخطابات الفنية بما فيها الخطاب السينمائي بألوانه وحركته واستخدامه لكثير من المؤثرات الصوتية المبهرة ، وبين يديّ الآن ديوان (جنائز معلقة) للصديق الشاعر عبدالرزاق الربيعي ، وهو ديوانه الرابع بعد دواوينه الثلاثة الأولى .
وعبد الرزاق الربيعي كاتب مسرحي ، وناقد شديد الاحتفاء بالكلام الجميل ،ومنظوره النقدي يتجه صوب الحاضر الجديد ، أو بعبارة أوضح صوب المستقبل ويتركز على متابعة أعمال المبدعين الشبان في العراق وفي الوطن العربي ، وعبد الرزاق يعاني من حالة ولع متأججة بحياة سقراط ذلك الفيلسوف الإغريقي الجميل الذي أصر على أن يتناول السم بوصفه أقل ضررا من الاعتذار والتراجع، وقد كتب عبد الرزاق مسرحية شعرية بديعة بعنوان (كأسك يا سقراط) أسقط فيها توتره وقلق عصرنا المليء بالأخطار ،ونجح في أن يجعل من سقراط إنسانا معاصرا تتزاحم في نفسه الهموم والهواجس وتنكسر أمام ناظريه أحلام الإنسان المعاصر وأشواقه إلى العدل والحرية .
وواضح أن الشعر هو الفضاء الجميل الأوسع الذي تتحرك فيه موهبة الشاعر عبد الرزاق الربيعي ، وأنه يمثل كيانه التعبيري الأصيل الذي ولد معه ورافق أنفاس طفولته ومراهقته وشبابه، وسيعيش معه كذلك إلى آخر أنفاس عمره الذي نرجو أن يكون طويلا وسعيدا . والديوان الجديد(جنائز معلقة) يؤكد بملامحه الإضافية قدرة الشاعر على تجاوز نفسه وتفرده في طرح الشواغل والهموم التدميرية للواقع العربي دون أن يلجأ إلى المباشرة هذا العدو اللدود للشعر في مستوياته المختلفة .
ومنذ العنوان ، يجيد عبد الرزاق التقاط صورة الواقع الكئيب. ولو أن شاعرا عربيا آخرمن قطر عربي غير العراق قد أختار لديوانه اسما مثيرا وحزينا كهذا الاسم لما كان له من الإيحاء والدلالات ما لهذا العنوان الذي يوجز في كلمتين مأساة بلد الحدائق المعلقة ، وهو ما يجعل العين والقلب يدمعان معا ، لما آلت إليه الأوضاع في بلد كان مصدر القوة المادية والمعنوية لأمته الضائعة على الدروب المختلفة ضياع بطلة قصيدة (بروق) تلك التي :


· ربما
عطلها الباص
لبعض الوقت
أو داهمها القوم
وقد أشعلت البرق
وذابت
ربما
غابت
لكي توغل في القلب
وقد ضيعت الدرب
إلى البحر
وقد .....
أو ....
ربما
أي
آه يا جنية البرق
(ابن يربوع )
على حاشية الغيم
وحيد .


وفي الجزء الأخير من هذه القصيدة القصيرة، إن لم تكن في أجزائها كلها ، استحياء لأسطورة ذلك الإعرابي الذي تزوج جنية ولذي تزوج جنية ووعدها ألا يجعلها ترى البرق الذي سيذكرها بقومها حتى لا يفقدها ، لكنه لم يتمكن من الوفاء بوعده وذهبت منه ، وبغض النظر عن أسطورة القصيدة ، فأي بساطة آسرة ، وأي غموض فاتن ، وأية غيبوبة صاحية تغمر هذه السطور التي لم تسلم من التهشيم والتدمير لتستطيع أن تكون مثالا عذبا وجميلا للشعر في تموجه وانهماره وتكثيفه .
في الديوان قصائد عن صنعاء وعمان،عن سد مأرب وسمير أميس ، وقصائد عن ذاكرة الألوان وأضراس الفانوس ، وعن الأمطار ، والكابوس، والوطن والبروج والكثبان . وفيه رصد شعري لأوجاع العراقي المغترب هذا الذي يفترسه المنفى يوميا وهو يردد الآية القرآنية المثبتة في مدخل الديوان ( لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا ) ، وعلى الرغم من أن الطاقة التخييلية للمعاني وللكلمات توشك ان تعلن عن عجزها في متابعة هذه الأوجاع واستحضارها في خطاب شعري إلا أن عبد الرزاق لا يعدم الوسيلة ولا الأسلوب ، ومن قصيدة( أرصفة ) هذا المقطع الموغل في براري اللوعة والشجن :


· العراقي
الذي يفتح شباكا
لـ(فيروز)
يغني
معها
من لبة القلب
ويوصي الضوء
أن يسقط
في كأس الزهور النائمة .


إن الشعر الحق هو ذلك الذي يتحسس أعماق الإنسان، ولا يتوقف عند سطح الأشياء. وفي (جنائز معلقة) يصفو الشعر ولا يعتمد على شيء سوى مكوناته الأساسية وتتخلص القصيدة من الحصار البلاغي والمنطقي لصالح صفاء لغة الشعر وعذوبته .







نشرت بتاريخ: 2007-11-28 (88 قراءة)
 


حقوق النسخ © بواسطة .::.كلكامش.::. جميع الحقوق محفوظة.




 

- رجوع -