|
الغربة هاجسا ً شعرياً

اد. عبد الملك مرتاض / جامعة وهران
· عبد الرزاق الربيعي شاعر عراقي لم يلبث يطالعنا بقصائده الشعرية التي
يحاول أن يجسد من خلال كتابتها في الرؤيا وفي التشكيل على مستويي النسج
والبناء معاً عبر تناول موضوعات ذات خصوصية بالقياس إلى ما يجري في
العراق من مآس جعلت الشعب العراقي من أشقى الشعوب في العالم، فكأن
كتابات عبد الرزاق الربيعي الشعرية رصد أمين وعكس دقيق لحياة العراقيين
في العشرة أعوام الأخيرة، ولقد صدر للربيعي ديوانان هما (إلحاقا بالموت
السابق) و(حدادا على ما تبقى)، ولعل هذين العنوانين المتشائمين يدلان
على مضامين قصائد ذينيك الديوانين، إن(عبد الرزاق) مثقل بالهموم ومثخن
بالجراح النفسية التي تجعله يعيش الغربة التي لا تزيده إلا تعلقا
ًبالوطن،وقد أفاد في كتابة قصائده من الثقافة التراثية والنصوص الدينية
كالقرآن الكريم وخصوصا ً ما له صلة بقصة (يوسف)وبدء الخليقة(الغراب
،وقابيل وهابيل)،كما أفاد الشاعر من الأساطير العربية والبابلية
والسومرية القديمة،ولم يعزف أثناء ذلك عن الاغتراف من الخرافات
والحكايات الشعبية، كما يمثل بعض ذلك في قصيدة(ركعتان لأم عمران)،بل
حاول أن يضمن جملة من قصائده أحداثا ًمن التاريخ كما يتجسد ذلك في
قصيدة (أولاد مسلم) . ولكن المصدر الأول لشعر عبدالرزاق الربيعي بعامة
يظل هو الغربة التي يحس بها إحساسا ًعميقا ًربما أكثر من سواه فأثرت في
جوانيته إلى أن أمست هاجسا ًنفسيا ًلديه على الرغم من انه ينحو منحىً
تأمليا ً رمزيا ً في معظم قصائده إلا أننا نحس شديد الإحساس بهاجس
الغربة يدمر كيانه الجواني فيجعل من شعره شعر قضية ويجعل من هذا الشاعر
بركانا ًغامرا ًمن العواطف المكبوتة والمشاعر المدفونة ما وراء النص
الغائب، من أجل ذلك نجد ألفاظا ًبعينها تطغى على القاموس الشعري لعبد
الرزاق الربيعي مثل (المنفى)،(الغربان الناعقة)،(شظايا القمر
المتشقق)،(الصراط الملعون)،(جرح يتدلى في الكتف وينزف)،(يرسف في
القيود)،(فأهلك من أهلك من أهلك)،(زلزلت الآفاق)،(من فيض مرارة حلمتها
يرشف) .
· إن الخيبة،الغربة،الحزن،الكآبة،الامتعاض،والمضاضة،كلها معان تمثل لغة
قصائده التي يطفح بها شعره وتعتصر من خلالها عواطفه...ولعل بعض ذلك ما
يمكن أن يقرأ من بعض نص قصيدة (أولاد مسلم)
- الدهر خان !
تصايح الأولاد من ضمأ ٍ
فأوصد سمعه السجان
الدهر خان
رُفِعَ الستارُ
رأيتُ أسلاكا ًمكهربة ً
فشد سلاسل الكلمات
في شفتي
أطلق ذئب ظلمته
على غزلان روحي
ناحت الصحراء
صاح الجن :
- قد مسح البريق جبينه
إشتجرت قروحي
وتناثر الموتى بلا دخان
الدهر خان !
· إننا نلاحظ في هذا المقطع القصير لغة معاناة تعبر عن عواطف طافحة
مشوبة بشيء
من اليأس باد ٍ ،وبشيء من الحزن غامر، فهناك الدهر والتصايح والظمأ
والسجان
والخيانة والأسلاك المكهربة والسلاسل وذئب الظلمة والنواح والقروح
وتناثر الموتى فأي صورة أشد قتامة مما تصور هذه اللغة الشعرية التي
تقطر يأسا ًوتكتظ حزنا ًوتعج تشاؤما ً؟
وعبد الرزاق الربيعي ، على ذكر اللغة لايعنى بالمفردة الشعرية التي
ألفنا أن نلتمسها في اللغة الشعرية حين نقرأ قصيدة من القصائد أو
ديوانا ًمن الدواوين لدى شاعر من الشعراء من حيث شفافيتها وظلالها
وإمتداداتها الدلالية وكأن هول القضية التي يريد تبليغ رسالتها والهموم
التي يحملها من العوامل المركزية التي تجعله يبهرنا بمضمون قضيته أكثر
مما يسحرنا بجمال ألفاضه ، ولكننا نعتقد أن الشاعر الذي يبهرنا بعمق
مضمونه سيسحرنا بجمال نسج شعره لأن فيض الشعر ينهمر من أطراف هذا
الشاعر الذي سيكون له شأن وأي شأن .
صنعاء - 1998
نشرت بتاريخ: 2007-11-28 (76 قراءة)
حقوق النسخ © بواسطة .::.كلكامش.::.
جميع الحقوق محفوظة.
- رجوع -
|