المفارقة التصويرية" القائمة على تضاد الثنائية الساخرة في
"غدا تخرج الحرب
للنزهة"
الدكتورة سعيدة بنت خاطر الفارسي
هذه قصيدة لشاعر مسكون بالوجع ومتفجر بالشاعرية لا يكتب
القصيدة
الا اذا تلبسه مس الشعر، شاعر تعصف به رياح القلق والحزن
والرفض والتمرد والاغتراب
وتذرو في جوانبه ابداع وادي عبقر، ذلك الوادي الذي انتقل ليعيش
في اكناف روحه
الشاعرة.
عبدالرزاق الربيعي، شاعر من بلاد "مصابيح الشعر" ولد في بغداد
1961 له
اصدارات ابداعية شعرية كثيرة صدر له مؤخرا ديوانه الذي يضم
اعماله الشعرية الكاملة
بعنوان "كواكب المجموعة الشخصية" الذي يتكون من تسعة دواوين
وله كثير من المسرحيات
الشعرية وكتابات خاصة بالطفل.
ولا يمكن للناقد ان يتجاهل الاحساس الصادق الذي يكتب به الشاعر
عبدالرزاق فهو ممن ينزف على الورق "والعشر والصدق توأمان لا
ينفصلان" كما يقول
لوركا والحقيقة ان شعر عبدالرزاق هو انعكاس صادق لآلام حياته
واحداثها ولكل اخفاقات
الواقع المؤلم في بلاده ولذا فهو شاعر ملتزم بقضاياه الوطنية
والقومية والانسانية
وان كانت كلها تسهم في اتساع ثقوب الروح المتألمة لدى الفنان
الواعي الصادق الذي لا
يتصنع الألم والحزن بل هو موجوع الى المرق متفاعل مع ما يتعرض
له وطنه من احزان
تتجدد ولا تخمد وكأنها اقداره وهو قدرها، ان هذا الوجع
المتلاحم بين الوطن والفنان
هو تجسيد لملامح الفن الصادق لدى الشاعر وسمة من سمات الأصالة
الفنية
والتفرد.
"غدا
تخرج الحرب للنزهة" قصيدة من آخر دواوين الشاعر "كواكب
المجموعة
الشخصية" ولقد استوقفتني طويلا مع انها ليست افضل قصائد
الديوان فنيا فهي تكاد تخلو
من تلك "التكنيكات" الفنية الجميلة التي اعتاد عبدالرزاق على
توظيفها في معظم نصوصه
باقتدار حتى اصبحت ظواهر فنية يتسم بها شعره. لكنها بلا شك
قصيدة جميلة وملفتة، وسر
جمالها خفي لا تعطيك اياه الا بعد جهد رغم ما تجود به بسخاء
وعفوية واضحة من
جماليات ظاهرية سريعا ما يلمسها القارىء من القراءة الاولى
الاان هذا الجمال السطحي
هو اغراء للدخول الى اغوار النص لاكتشاف جماليات بعيدة ارحب
ولعله جزء من تقنيات
البناء القائم على المفارقة والتضاد.
فبناء القصيدة يرتكز على "المفارقة التصويرية" القائمة على
تضاد
الثنائية الساخرة انه صراع ما بين ثنائيتين الاول الألم والحزن
الشديد المؤدي الى
البكاء والثاني السخرية والتفكه الزائف المؤدي الى الضحك وهو
ضحك كاذب مخادع بل هو
في حقيقته بكاء انه "المضحك المبكي" او هو "شر البلية ما
يضحك"، فالبلية هنا "الحرب
وهي فوق طاقة الشاعر وليس بيده شيء يستطيع ان يدفعها به او
يحول دون حدوثها ولهذا
فهو يتألم ويبكي ويسخر ويضحك بهيتيرية تمتزج فيها حالة البكاء
بالضحك "ولكنه ضحك
كالبكاء" كما يقول المتنبي انها حالة جنونية للصراع الداخلي
الذي اظهرلنا جزءا من
جبل الجليد بينما ظلت الحقيقة الكاملة لهذا الجبل حقيقة
"الآلام والأوجاع والحزن
والبكاء" مغمورة داخل الشاعر وتحمل القصيدة في مضمونها ادانة
خفية الى من تسبب في
هذه الحرب وجعلها تخرج للنزهة والى من جاء بها الى بلادنا
لتتنزه هنا وليس في بلاده
ولكن الشاعر يمسك بخيوط نسيجه الفني فلا يجعل نبرة الادانة
تعلو وتقف على مشارف
الهجاء والتراشق بل نكاد لا نلمسها حتى تفر من ايدينا وتتداخل
مع نبرة السخرية
وبهذا جنب الشاعر نفسه الوقوع في مصيدة المباشرة والتسطيح.
ومن العنوان يتجسد بوضوح طرفا المفارقة "غدا تخرج الحرب للنزهة"
فالنزهة هي الطرف المشرق من طرفي المفارقة ولكنها تتضاد مع
الطرف الآخر المقابل وهي
الحرب التي تمثل سوداوية الواقع وقبحه ومن هذه الثنائية
المتضادة بشدة تنبثق
السخرية وتأتي المفارقة ويتولد الصراع كنتيجة منطقية وهذا
الصراع يكسب القصيدة مسحة
درامية خفية ايضا وكل ظواهر القصيدة كما ذكرت لا تبدو عائمة
على السطح انها تحت
الغطاء ولعل هذا ما اكتسب النص تلك الحلاوة والجمالية الشفيفة
انها جماليات السهل
الممتنع، يقول الشاعر:
غدا تخرج الحرب للنزهة
زينوا المستشفيات بالأدوية والضمادات
والمشارط الباشطة
ان في كل مقطع من مقاطع القصيدة بل في كل سطر من كل مقطع نجد
تضادا
معبئا باللامعقول واللا منطقية التي تجسد المفارقة ويتضح هذا
في تحليلنا لهذا
المقطع وهو نموذج لكل مقاطع القصيدة الاخرى مع فارق بسيط يعود
الى بساطة تركيب هذا
المقطع بنائيا وتعقد تركيب المقاطع الاخرى وربما يعود سبب تلك
البساطة لكون هذا
المقطع هو الدفقة الشعورية الاولى اي الافتتاحية التي تمهد
لفورة بركان الصراع كما
يمهد المشهد الاول لاحداث المسرحية برمتها.
اقول لو حللنا المقطع الاول لوجدنا تسير بشكل متضاد "لا منطقي"
افقيا
وعموديا حسب التشكيل التالي: ففي الشكل رقم 1 الحرب
ـــــــــــــــــــ
النزهة
زينوا ــــــــــــ المستشفيات بالأدوية والضمادات
والمشارط
ويوضح البناء الأفقي ان "الحرب × النزهة" و"الزينة ×
المستشفيات
والأدوية والمشارط والضمادات".
وحسب التشكيل العمودي سندد التضاد نفسه: في شكل رقم
2
الحرب ـــــــــــــ النزهة ـــــــــــــ زينوا ـــــــــــ
المستشفيات والادوية والضمادات والمشارط.
فمن المعروف ان "الحرب × زينوا" و"النزهة × المستشفيات
والأدوية
والمشارط" اي ان الحرب لا تتطلب النزهة كما وضحت الدلالة افقيا..
ولا تتطلب الزينة
كما اوضحت عموديا. والزينة لا تتطلب المستشفيات والادوية
والضمادات والمشارط افقيا،
ولا تتطلب الحرب كما توضح عموديا.
اذن هناك على المستوى الأفقي والعمودي من حيث هندسة البناء
تضاد صارخ
ومفارقة أليمة "ولا منطقية".. لكن لو قلبنا الجملة "بالعكس"
سنحصل على تماثل وتوافق
ومنطقية في الدلالات: كما يوضح شكل رقم 3:
الحرب مع المستشفيات والادوية والضمادات والمشارط
والنزهة مع زينوا.
في هذا الشكل تتطلب النزهة الزينة والحرب تتطلب المستشفيات
والأدوية
والضمادات والمشارط والعكس صحيح والغريب ان هذا التركيب
المعكوس هو الذي اصبح
منطقيا، مما يدل على ان الوضع الواقعي الخارجي هو وضع مقلوب،
وهذا ما جعل الشاعر:
يعتمد تكنيك المفارقة التصويرية كأداة رئيسية للتعبير عن رؤيته
الفنية ويجسد الصراع
بين الواقعين "الداخلي والخارجي" للشاعر كما ان هذا التركيب
المعكوس والمنطقي لبناء
الدلالة "شكل رقم 3" موجود خارج النص وهو ما يصلنا منه حتى لو
حاول الشاعر ان يرسخ
لدينا الدلالة المتضادة غير المنطقية على المستويين الأفقي
والعمودي، وهي تلك
الدلالة المحركة للرؤية الفنية اصلا والموجودة داخل الشاعر
والمولده للصراع في
نفسه.
وبعد تلك التهيئة، للحدث يتعمق الشاعر في شكل أقرب للدراما
فيقول
متصاعدا بالحدث تدريجيا:
"غدا
تخرج الحرب للنزهة / نظفوا القبور من الأتربة والأدغال /
واحفروا
آخرى للحيطة / إكراما لأنفها من روائح الجيف النتنة" ويحفر
الشاعر جيدا بالتكرار
على مفردة نظفوا ليرسخ المفارقة المتضادة "نظفوا القبور، نظفوا
الأوحال، نظفوا
أسنانكم جيدا، نظفوا قلوبكم" ليسجل صورا عديدة من صور السخرية،
على سبيل المثال
يقول: نظفوا قلوبكم من الأفراح العابرة / لأن الحرب / لا تحب
البالونات والفقاعات
الهوائية.
هيئوا اجسادكم للالام/ واعضاءكم للبتر/ وقلوبكم للاوجاع/ لان
الحرب/
ستعبث معكم/ انها تحب اللعب بالعيار الثقيل والملاحظ تكثيف
دلالات التضاد فكل تضاد
يتداخل مع تضاد اخر، لكأننا في حالة من التضادات المتداخلة
والمركبة فالتضاد الاول
يفرع تضادا ثانيا وهكذا.
فحينما يوقل الشاعر: "نظفوا قلوبكم من الافراح" نحن نريد
الافراح ولا
نريد ان ننظف القلوب منها.. وهنا يفرع الشاعر صورة تشاد اخر من
هذه الافراح هي مجرد
افراح عابرة.. اي مجرد فقاعات سرعان ما تتلاشى، ولانها افراح
عابرة كالفقاعات
لاتحبها الحرب فالحرب لا تحب الفقاعات الهوائية لانها تحب
الفرقعات القاتلة وليست
تلك الفقاعات الهشة التي تعمل فرقعة ولا تقتل احدا.
اذن الحرب ستلعب معكم ولكن بفرقعات من العيار
الثقيل.
ان تعقد وتداخل تركيبات التضاد بين اكثر من صورة واكثر من فقرة
واكثر
من تفريغ ينم عن حدة الصراع الداخلي وتراكمه في نفس الشاعر.
وتكرار لفظ (نظفوا، نظفوا.. نظفوا) كل شىء في استقبال الحرب
التي
ستدمر كل فعل ايجابي قمتم به وستحول النظافة الى سواد.. انه
تركيب مكثف للتضاد
الساخر شكل ملامح وجهي المفارقة مولدا صورا جزئية تحمل ملامح
الطرفين.. وجعل من
المفارقة تكنيكا يتسرب الى جزئيات الصور التفصيلية مؤججا
الصراع بين الطرفين
(البكاء/
والضحك) ليندس ذلك الصراع في شرايين القصيدة التي تنتهي
بانتصار (القبح/
الحرب/ الحزن) انتصارات ساحقا على (الجمال/ السلام/ الضحك)
فيأتي المشهد الختامي
ليلخص الموقف الحقيقي السوادي اي الصورة الحقيقية لسلبيات
الحروب بترك كل ما يؤدي
الى الجمال والبهجة والبراءة والخصب والاحلام والامال والخروج
من كل شىء جميل يقول
الشاعر: (غد تخرج الحرب للنزهة/ اتركوا النعومة/ والضحك/
والرقص/ والطفولة/
والنساء/ والاسرة/ واكواب الشاي بالحليب/ ومقاعد الدرس/ وما
تبقى من احلام/ متناثرة
في الزوايا/ انها لاتحب الشوكولاتة وتبادل القبل في الطرقات/
وامور كهذه تضر بصحة
الحرب/ التي ستخرج غدا للنزهة) انه خروج من كل شىء فالحرب موت
اي خروج من
الحياة.
ويأتي ختام القصيدة ليكرر ويلخص كل المنهي عنه في المقاطع
السابقة
التي فصلها هناك واوجزها هنا فنقل لنا حالة التفريغ ونهاية
الصراع التي افرغ بها
الشاعر ونفث كل ما بداخله فخفت الصراخ والالم الداخلي.
واخذ الانفعال بخفت تدريجيا كأنه ذلك الموسيقار الذي يبطىء
الايقاع
تدريجيا وبخفت باللحن في ختام المقطوعة بعد ان بلغ به الذورة.
ويختم الشاعر نصه بتلك الثيمة الايقاعية والدلالية المتكررة في
بداية
كل مقطع من مقاطعها، يقول.. (وامور كهذه تضر بصحة الحب التي
ستخرج غدا للنزهة)
لتتجاوب اصداء المفارقة وتتوالد السخرية في حلقة ربطت البدء
بالختام ضمن دوائر
مفرغة من دلالات انتصار الخير والسلام والامل.
بقى ان نقولك بأن من جماليات القصيدة وجود ذلك التلاحم ما بين
المنطقي
واللامنطقي كما راينا في بعض المقاطع السابقة كذلك وجود تآزر
وتلاحم ملا بين
الطبيعة والانسان اللذان يفقان في جهة الفعول به، والمتحالف
ضدهما (الحرب) وهي
الفاعل والمراقب المتقمص لدور الراوي اواعظ الساخر هو الشاعر،
والطبيعة ومن النماذج
للتلاحم بين الانسان والطبيعة قول الشاعر: (غدا تخرج الحرب
للنزهة/ افطروا قلوب
الامهات/ لكي لاتتمدد الدموع بالحرارة/ وتنفجر قشرة الارض/
فنثور البراكين النائمة/
في الصدور).
ثانيا البناء الفني:
بناء النص: هذه القصيدة بها حس درامي كبير يتمثل في الصراع
الدرامي
بين المأساة (التراجيديا) والملهاة (الكوميديا) وبها تضفير في
جدلية ثلاثية ما بين
الشعر وتقنيات المسرح والرواية فهنا سرد وراوي وحدث يتصاعد به
وعقدة تفك خيوطها
تدريجيا في الختام وتسدل الستار على نهاية الحدث.
قلنا ان المفارقة التصويرية تشكل اطارا يحيط بكل دلالات
القصيدة
وتتمازج فيه كل الادوات الشعرية من مفردات واساليب الى صور
واشارات ورموز وموسيقى
كما سنرى.
ومن ثم فقد ارتكز معمار البناء على المفارقة القادرة على نقل
ثنائية
التضاد، بشكل عام، ووظف الشاعر لتجسيد ثنائية التضاد جملتين
الجملة الاولى تتجاوب
مع الثانية في تبادل الفعل، ورده فالجملة الاولى الاخبارية
تقوم على الفعل
المستقبلي (غدا تخرج الحرب للنزهة) ويأتي رد فعلها دائما بجملة
من(صيغة الامر) في
بداية كل مقطع مثل: زينو.. نظفوا، اتركوا، افرغوا، هيئوا،
خزنوا، اطفئوا، اخرجوا..
الخ هذهالجملة "جملة فعل الامر" التي تتجاوب مع جملة الفعل
المستقبلي، معللة بسبب
ومسبب لماذا نظف؟ لماذا نهيىء..؟ وتأتي الاجابات في نهاية كل
مقطع (اكراما لانفها
من الروائح، لان الحبر ستعبث معكم، لكي لاتتمدد الدموع
بالحرارة، لنحصل على موت
جميل..الخ).
ويقوم الشاعر بدور الامر المنبه للجموع لان الخطاب يتوجه
للجميع وقد
حرص الشاعر على التحذير الجماعي "نلاحظ صيغ الجمع المختلفة
وانتهاء كل افعال الامر
بواو الجماعة" لان الشاعر هو ضمير الامة وحدسها المبصر.. ان
انتهاء كل مقطع بلا
التعليل وكي التي تفسر وتعلل يوضح ويفسر سبب حزن الشاعر الشديد
والآمه وسخريته من
الموقف القادم كله.
وهكذا نرى ان الثنائية والتضاد هي ادوات بناء النص البارزة
التي تشكل
طرفي المقارنة، والتي اوضحت رؤية الشاعر بشكل جيد ونقلت الصراع
الفني في اوضح
صورة.
1
ـ المعجم: معجم الشاعر حديث وعصري وهو معجم يلتقط مفرداته من
الحدث
المعاصر ومن اليومي المعتاد والمألوف، ومن ثم فهو معجم مرتبط
بهموم العصر وأحداثه
فمفرداته تأتي أحيانا طيبة علمية كقوله:(افرغوا صنابير العيون/
من حولتها المالحة
/
فالحرب تعاني من ارتفاع حدة الضغط/ وتكلس الهواء في الشرايين/
وتبعا لهذا/ فإنها لا
تحب الأحلام/ في الزاد..والخدود).
واحياناً معلومات حربية مصحوبة باستشراف مستقلبي واضح
كقوله:(فلنقفل
المنتزهات/ والحدائق/ والشرفات/ لكي تتمشى على راحتها/ أزيحوا
من السماء الغيوم/
لكي لا تبلل أجنحة الطائرات/ وتحيدها عن أهدافها المرسومة
بدقة).
وينم معجم الشاعر عن ثقافة واسعة وتوظيف لمعطيات التراث فحينما
يقول:(علينا أن نخرج جميعاً لملاقاتها/ من غرف النوم /
والمدارس وألف ليلة وليلة
واشارات التوحيدي وألفية ابن مالك وروضات الجنات..الخ).
هو يوظف تراثه ويمزجه بالحدث المعاصر.
كما أن معجم الشاعر يمتاز بالجراة في التقاط اليومي والمعتاد
والتفافه
من جزئيات المعيشة اليومية لكن هذا التافه يشكل ملمحاً من
ملامح الحياة المعاصرة
كقوله: (وعلينار أن نخرج من بطاقات التهنئة/ وقناني المياه
الغازية/ وفرشاة الأسنان
ونشرات الأخبار، والشوارع، والبسكويت، والشوكولاته..الخ) لكن
هذا الالتقاط للعادي
والتافة من أمور الحياة اليومية ولا يخل بفنية لغة النص
وضرورات العمل الفني بل
يدعمه ويسنده.
أما أسلوب الشاعر فيتسم بالجمال الواضح الكاشف بلطف بلا غموض
متعمد
ولا تعسف ويمتاز الربيعي بالجرأة في استخدام اللغة فهو مثقف
واع مطلع ومتسلح بثقافة
عصره كما ذكرت.
وهو مغرم باستخدام أسلوب الانحراف بالدالة والتماثل الصوبي عن
طريق
شحن اللغة بعلاقات جديدة للجملة مقتربا بذلك إلى ما يسميه(ايفون
دوبليس) تفجير
اللغة ويقصد به (أن تفرغ كلمات اللغة من دلالتها القديمة وتحقن
بأحرى جديدة فليس
المعني المعجمي هو معناها الوحيد وإنما لكل كلمة معان شتى معان
داخلية تتداعي في
لحظة رؤي الشاعر وانفعالاته الباطنة الخاصة).
لكن الشاعر لا ينساق وراء إبهام العلاقات والتداعي الحر الذي
يؤدي إلى
عتمة الدالة بل تأخذ ما يحتاجه لخدمة فنه ومن نماذج التماثل
الصوتي في
النص:
قوله:(علينا أن نخرج لملاقاتها/ من جلودنا وأسمائنا اللبنية)
وهو
تماثل صوتي للتركيب المعروف(أسنانا اللبنية) كما يحمل عنوان
الديوان كله هذا
التماثل (كواكب المجموعة الشمسية) وهو تماثل صوتي لكواكب
المجموعة الشمسية ولهذا
الانحراف في السياق ما يبرره إذ أن كل قصيدة في الديوان هي
بالفعل لكوكب شخصي من من
الكواكب التي عرفها الشاعر وأحبها وأثر أو تأثر بها وأصبحتر
كواكبا
تنير شخصيته
وحياته وربما تكون لنا وقفة مطولة مع هذا الديوان مستقبلا
والتماثل الصوتي تكنيك
جميل يكسر التواقع للمألوف ويثير الدهشة ويبعث روحار جديدة في
العبارة تتسم
بالطراجه وهذا ما يبحث عنه الشاعر المعاصر ليحقق سمة الأصالة
والتميز.
ثانيا: الصورة: تقوم الصورة أيضاً على التضاد والتقابل
والسخرية التي
تولدها المفارقة التصويرية وقد أقام الشاعر بناء صورته في هذا
النص على ظاهرة
التشخيص فهو يشخص الحرب في صورة سيخرج للنزهة ولابد من ملاقته
والاستعداد له مولداً
تلك المفارقات العجيبة بين نزهة الحرب والخراب الذي ستحدثه
يقول:(غدا تخرج الحرب
للنزهة/ اتركوا النعومة/ والضحك/ إنها لا تحب الشوكولاته/
وتبادل القبل في الطرقات/
وأمور كهذه نضر بصحة القلب/ حسب مزاج الحرب/ التي ستخرج غدا
للنزاهة)
وصور الشاعر تكرس الإحياء وتكاد تخلو من الصور البيانية
التقليدية إلا
ما ورد عفويا دون أن يتطلبه أو يتكلفه
وهي احيانا صور خياتلية تعلو على حرفية الدلالة وتربط بين
الجمل ربطا
غير تقليدي فتتحور الصورة الذهنية وتتشكل تشكلا جديدا يقول
الشاعر:( غدا تخرج الحرب
للنزهة/ ازرعوا الزهور/ فالمقابر ستنمو/ وتفاصيل كهذه ضرورية
لرفع معنويات الموتي/
المعلقين في رقابنا/ إلى يوم يبعثون)
وصور الربيعي في هذه القصيدة ليست جزئية مفتتو بل ان كل مقطع
عبارة عن
صورة تمتد بامتداده وتنتهى بانتهائيه لكن مجموعة هذه الصور
المستقلة بمقاطعها تشكل
التشكيل العام للصورة الكلبة التي هي صورة الحرب الرغبة
بالتنزه وصور القصيدة تسهم
بجزء من أجزاء المفارقة الكبري وترسل كل صورة ومضة من ومضات
السخرية الأليمة التي
ترسخها القصيدة في نفس القارئ ولنقرأ هذه الصورة المعميقة
المؤلمة في سخريتها:(غدا
ستخرج الخرب للنزاهة/ اطفئوا القمر البنات فوق السطوح/ لكي لا
يؤثر على بريق قنابل
التوير / التي تنير لها الطريق/ لنحصل على موت جميل/ ومريح
كمخدة من ريش
الملائكة).
ثالثا: الموسيقي: للشاعر ايقاعه الموسيقي الخاص واقصد أنه يكتب
القصيدة النثرية ضمن إيقاع تولده الصياغة الأسلوبية ولأنه شاعر
حقيقي فالإيقاع
الموسيقي ثري دون التقيد بالبحور الخليلية فهناك خلط في
التفاعل وهناك خلط في
البحور أحيانا وهناك تحرر تام وفق متطلبات الجملة الدلالية.
وفي هذه القصيدة قلت أن المفارقة قد تسربت إلى جسد النص كله
وتشدت إلى
الموسيقي أيضا فالشعر يبني إيقاعه الموسيقي على بحر المتقارب
لكن هذا الإيقاع يقف
عن العنوان الذي يتكئ الشاعر عليه كثيرا ويكرره في بداية كل
مقطع ليكون لازمه وثيمة
ايقاعية تبث في القصيدة جواً نغمياً الى طبول الحرب المتقاربة
المتسارعة
الضربات(فعولن، فعولن ، فعولن ، فعولن) ومع هذا الثراء النغمي
في الوحدةر الايقاعية
المتكررة تأتي بقية المقطع خالية من الوزن أو يتحرر الشاعر
فيها من التزام الوزن
ولعل هذا التضاد بين ثراء بداية المقطع الموسيقي ونثرية بقية
الأبيات هي جزء من
مفارقة بناء هذه القصيدة التي تشعرنا لازمتعها الإيقاعية
المتكررة بشيء من النشوى
الموسيقية المتلاحقة الإيقاع بينما يسود جواً اشبه بالتراتيل
الجنائزية الكبسية
طوال القصيدة في بقية المقطع وهي تراتيل فيه الكثير من الحزن
والهدوء والنغم الخفي
مما يجعلها تتضاد مع لازمة القصيدة الشديدة لرنين الصاخبة
الإيقاع.
ويمسك الشاعر بقدرة صناع ماهر على ذلك الجو النغمي الموسيقي
الذي
يتابعة القارئ ضمن إيقاعات النفس الشعوري المتألمر والمتردد
بين ضلوع الشاعر في جو
خفي لا يستطيع أن يسمك به ولكن يحسه ويشعر به شعورا واضحا
عميقا.
في الختام: لقد أعطانا الشاعر كل سلبيات الحرب واضحة وهي تلك
السلبيات
التي تسبب في حزنه وألمه وبكائه وكثيف الشاعر- بوعي منه-
مسببات ذلك الحزن ومع هذا
التكثيف لدلالات الحزن والألم في القصيدة يظل الحزن الأكبر في
داخل الشاعر لم ينفجر
وأرسل لنا فقط بإشارات تومض بومضات خفيفة تنم عن السخرية
والضحك ولم يكثف دلالات
السخرية والضحك في النص ومع هذا فإن إيحاءات السخرية كبيرة
وواضحة في القصيدة بل
وتتغلب على نغمة الحزن والألم المكثف وهذه أيضا مفارقة وتضاد
قصدة الشاعر بين
الداخل والخارج في تكوينات النص القائمة كلها على المفارقة
التصويرية.
القاهرة