شمال مدار السرطان لعبد الرزاق الربيعي:
قوة العلامة وفعل الانزياح
شاكر
مجيد سيفو
يؤسس الشاعر عبد الرزاق الربيعي لبنية عنونة مجموعته الشعرية (
شمال مدار السرطان ) مشهدية تطل على الفضاء الجغرافي في نصيته
المكانية حيث إقامة الذات وإرهاصاتها ورؤيتها للعالم والآخر
عبر سلسلة شعرية تؤسسها لعنونات تفصح عن دلالاتها ومعانيها
التي تتشرب من لغة شفافة ترسل محمولها النفسي والفلسفي عبر نسق
العلامة حينا ً ولغة قاسية يعتاش محمولها النفسي والحسي
والذهني على إيقاع المعنى وفضاء المكان المتسع في داله الشخصي
( المنفى ) ، حينا آخر ، وتتخذ النصوص شروحاتها عبر سرود مكثفة
تعلق شعريتها بقوة في الإشارة الإنزياحية في ملفوظاتها
اللسانيه تغلق على بنية المفارقة السخرية المريرة وانقطاع
المعنى في منطقة حرجة هي ( الفجوة ومسافة التوتر ..حسب د. كمال
أبو ديب ) وتتمثل هذه القراءة في اتساعها الرؤيوي وحدتها
ووعيها الجدلي في هذه الصورة الشعرية الخلاقة والرائعة والتي
يحرص على إرسالها الوعي الشعري الاستثنائي للشاعر الربيعي
الأم التي رأيتها بأم عيني في ....
ما الذي جعلها تغادر حديقة الأمهات
ليضيع مفتاح الباب الشرقي
إن رؤية الشاعر تقع البنية الداخلية العميقة للذات الأخرى في
تمظهرها الحياتي وهجرتها نحو الداخل الغائب والمغيب ضمنيا
والمفترض في ذاكرة الشاعر والمنقطع إلى نقطة مجهولة ، وتشكل
صورة الغياب ثنائية متضادة ما بين الحياة والموت ، إن الشاعر
مسكون بالانفعال الأولي الذاكراتي الذي يعيده دائما إلى طفولته
، وإلى بنى الأمكنة الأثيرية الخالدة في ذاكرته الشخصية
والذاكرة الجمعية مثل ( حديقة الأمة ـ تمثال جواد سليم ـ فائق
حسن ـ مطبعة عشتار ـ الباب الشرقي في مستوييه النفسي كبنية
مكانية والباب كتاريخ وحضارة وموروث شعبي وديني ) ومخيلة
مباغتة للمتلقي بالمدهش والغامض والأثير ورؤى الأسطرة والإشراق
وتأسيسات الوقائع اليومية وإرساليات الرموز ورؤيا الواقع
وتنافر الحلم والحقيقة وتجاذبهما في بؤرة الحدث اليومي
والتاريخي ، لقد حرص الشاعر الربيعي على استثمار رؤى البنية
الروحية من منهل الميثولوجيا عبر بنيات سردية موجزة تعتمد نسق
المفارقة حينا ومستوى الترميز والتخيل داخل مشهده الخاص
بفعاليات تتسع لاستقطاب آفاق دلالية تتركب شعريتها في احتواء
أنساغ لفظية تتضاد في بناها وهيكلتها وتستند أحيانا على
استحضار البنى الأسطورية في استدعاء الرمز البطولي التاريخي
الأسطوري ( كلكامش ) :
كلكامش الذي غنى ..
فجنت العذارى
وقطع في مسيرة
أكثر من سنة ضوئية
رأيته واضعا كفيه على خديه
بعد أن أضاع طبله في أعراس الأفاعي
تنطوي كل تمظهرات الخيبة والحزن على مشهدية الشاعر في نصوصه
بقوة واتساع وسيمائية شكلية وحفريات مضامين كخصيصة رؤيوية
للذات الشاعر ومرجعيتها وخصوصية البناء والاختزال والتصدير
الدلالي في وحدة نصية مضغوطة كليا في أروع تشكيل وأنضج بنية
ترس ترميزات لتؤسس وحداتها النصية الدالة فنيا ًوجماليا ً
ويخلص الشاعر في هذا الاشتغال الدقيق إلى توليدات صورية تتمشهد
لتكون فضاءا ً شعريا هائلا في مستوياته الرؤيوية والتخيليه عبر
تعالقات الرمز والمروز وإنفتاح المداليل إلى فضاءات رحبة
تتعايش وتتجاذب بقوة في بنية متشابكة العلاقات ، وتبرز عبر
هذه الشبكة فاعلية المستوى التضادي عبر دوالها وتنسل الإشارة
الإنزياحية عن خاتمة النص :
لماذا نظل نشد على الشتات
الأحزمة ؟
لا سيّما أن الأقدام عميت
ولم تعد
تميّز ملامح الأرصفة
ذلك لأن الطائرة ليست خضراء
والمنافي سواسية
000كأحذية الغبار
ويتميز نص الشاعر عبد الرزاق الربيعي في محتواه الشعري المتشكل
من هيكلية متجانسة ومتعاضدة في إيقاع الشعور الشخصي المتجاور
مع إيقاع الفكرة المنساب عن معنى كلي يتحقق في الإعلان الصارخ
في فصاحة المفردة المشيئة لنية المكان المؤلم ـ المنفى في
متواليات ذاكراتية ورؤيوية تلاحقها الأنا منذ درس الجغرافيا
ورؤيا الأطلسي
البقعة …
البقعة …
هل تذكر أنها …
إنها قد تكون غيمةً مهرّبة
إلى الداخل
أو عين بحر
حاسر الموج
أو أنها …
إنها عضة كلبٍ
اسمه المنفى ؟
إن أروع ما يرسل الشاعر من معنى عبر جملة من الانفعالات
ومرجعيات الإيحاء والإشارة إلى متقاربات حياتية مشتركة مع
الآخر ، إن هذا النوع الصوري منفتح على النوع الشعري المتفرد
في الرؤية الشعرية الشخصية في وقوعاتها على فضاء المعنى
المندثر في سيرته
الحياتية
اليومية
يهوي
القصاب على آخر ذكريات العشب
يسيل
الدم على عبارة :
»
ماكنة عصرية لفرم اللحوم
«
تسقط
غيمةٌ على الرصيف
فتتكهرب
إشارة المرور
بينما إبرة الخياط
»
مغلقة بأمر النيابة
«
إن نص الشاعر يعتمد على تاريخ المفردة وسحرها التراثي النفسي
والفلسفي والميثولوجي ونبضها الضاج بالشعور والخلق الشعري ،
وشعرية النص تؤسس بنيتها على علاقة التوتر الحسي والذهني
النفسي والسياق التخيلي وفي نوع من الفناء في الطاقة السحرية
والسرية للكلمة ورغبة الذات الشاعرة في الإنعتاق من ربقة
الوحشة :
لا أريد ملكاً
لا ينبغي لأحدٍ من قبلي ولا بعدي
ولا أطلب
فرحةً عرضها السموات والأرض
ولا أحلم بامرأة من لدنك
أريد فقط
جناحاً
يحملني بعيداً
عن هذه الأرض المترامية الأصفار
ويجتهد الشاعر في بناءات نصوصه في خلق الصورة الشعرية عبر
متواليات نصية من خلال وحدات رؤيا ضمن إطار العلاقات
الإستبدالية واقترانها بسياقات الإحالة إلى الآخر واستدعاء
الدال في بنية الإهداء ـ كما تظهر هذه الرؤى القراءاتية بعمق
في نصه (عيون ) :
أصابت الوردة عين
فتعيّن عليها
أن تبعث عطرها
على شكل برقيات
ويعود الشاعر في خاتمة نصه الرائع هذا إلى الاشتغال على
استنطاق رؤى التشرد والضياع في غاية من الأنا بالانشغال
بالمعادلة الكلي ( المنفى ) :
أصابت البلاد عين
فتعيّن عليها
أن تضيّعنا
وتشترك معظم نصوص المجموعة بهذه المقاربة الرؤيوية في تشكلها
الفني والفكري والجمالي والشعري ، إن الشاعر عبد الرزاق
الربيعي شديد التحسس بالوقائع إنه إنسان وشاعر علائقي ، يدفع
شعرية النص إلى شبكة من العلاقات في إشاراته إلى تأسيسات بنى
صورية تتكاثف بقوة العلامة وفعل الإنزياح كما نقرأ هنا :
تحدّثني الجدّة
عن النار الموقدة
وعيني التي ستكون حطباً
بسبب نظرة ما
للبنت فوق سطح الجيران
فأرتجف
يرتجف المنزل
وسط الليل
يرتجف القمر في علاه
وينزع الوعي الشعري الشخصي للشاعر إلى خلق تنويعات نصية عبر
فضاءات إدائية عالية في تهذيبها وانتظامها البلاغي والإيقاعي
وغنى تركيباتها ، واقتصادها اللغوي وبراعة الاشتغال على
التلوين في البنية الشعورية والصوتية والنسيج الزخرفي للصورة
الشعرية ، إن الشاعر الربيعي يحقق أعمق وأبرع شعرية ثخنية
عالية في قيماتها الجمالية والفكرية في معظم نصوص مجموعته
أغمض عينيّ
حالماً
بجنة عرضها
ساحة المدرسة
ويمثل نصه الآخر الرائع ( قلوبنا وصلت .. شكرا لساعي البريد )
قمة شعرية أخرى تقف فوق القمم الشعرية العربية الحداثية في
أسطرتها لليومي حلما كونيا وتاريخيا في مقترب منلوج درامي
متواشج في قنواته وإرسالياته واستنطاقه للتفاصيل الحياتية
الدينامية العالية للذات الشاعر وبشاعة العالم والمنفى ويعز
علي أن أقتطع من هذا النص مقطعا واحدا فقط
قلوبنا التي وصلت
وصلت مبللة :
مثل وقوف الأمهات بانتظار البحارة الغرقى
بعد أن شبعوا موتاً
وحصى
وزرقة
تحترب روحي بأتربتها الثقيلة
بانتظار وجوه الملوك
ورؤساء الدول
عندما يصطفون
على يسار ختم البريد
إنه (الشاعر )يرصد العالم في تحولاته أسلوبيا وجماليا في كل
تناصاته مع المحمول التاريخي والديني القرآني والأسطوري
والميثولوجي والحكائي التخيلي والرمزي الحاد .. وتبقى شهادات
مجموعة من الأدباء والكتاب في مستهل المجموعة أبرع ما كتب عن
الشاعر ....
* شمال مدار السرطان/دار الواح 2001
مدريد