ثلاثية المنفى والبحر والمطر

في ديوان جنائز معلقة للشاعر العراقي عبد الرزاق الربيعي
د.شبر
الموسوي
تشير قصائد ديوان جنائز معلقة للشاعر العراقي عبد الرزاق
الربيعي
إلى تغيير كبير وتطور ملحوظ في المضمون الشعري والرؤية الفنية
وفي زخم الكتابة
الشعرية ذاتها ، فقد اتجه الشاعر إلى أساليب جديدة من الكتابة
الرمزية والتناصية
والتي تنتهج أشكال مختلفة من التناول والشعرية ، وقد أدى ذلك
إلى تغيير واضح في
رؤية الشاعر المضمونية والفنية وفي طرائق التعبير عنها، ويتميز
ديوان الشاعر
العراقي عبد الرزاق الربيعي بمجموعة من الظواهر الفنية وبتعدد
الرؤى والتيمات
وتوظيف عدة عناصر تراثية وإنسانية والشاعر بلا شك يجيد هذا
التوظيف كما أنه متمكن
من أدواته الفنية يحركها كيفما يشاء داخل القصيدة ، وفي هذه
القراءة سوف نعرض لعدة
عناصر فنية استخدمها الشاعر في كتابته الشعرية
.
بداية يصدر الشاعر عبد الرزاق ديوانه بالآية القرآنية ( لقد
لقينا من
سفرنا هذا نصبا ) وهو بالفعل يشير إلى سفره المستمر إن في
الزمان أو في المكان أو
عبر الذات والتحولات التي يمر بها عبر تجربته الإنسانية ، في
الصفحة الثانية يورد
كلمات لشاعر سومري
:
"واحسرتاه
على ما أصاب لكش
وكنوزها
ما أشد ما يعاني الأطفال من بؤس
..!
أي مدينتي
!
متى تستبدلين الوحشة بالفرح ؟"
والربيعي إنما استدعى كلمات دنجي رامو الشاعر السومري من رحم
التاريخ
ليشير إلى واقع العراق الحالي ويسأل مدينته بغداد عن متى
تستبدل الوحشة بالفرح ؟
وتستمر الرؤية السوداوية في السيطرة على مجمل قصائد الشاعر
الربيعي ،
فهو ينظر إلى الواقع والمستقبل بشيء من الريبة والشك ، وهذه
الرؤية السوداوية
متواصلة في دواوين الشاعر منذ ديوانه الأول إلحاقا بالموت
السابق وانتهاء بديوانه
الأخير موجز الأخطاء . فيحول رموز وتيمات الأمل إلى رموز
مشحونة بالكابة والحزن ،
فالمطر تحول إلى معادل للجوع
.
،ويقدم الشاعر في هذا الديوان تجربته في الهجرة والغربة
بواقعية شديدة
، يقول في قصيدة أرصفة
:
العراقي
الذي تخذله الأعصاب
في الباص
يفور الجسد المثخن بالأوجاع
يستهدي الرحمن
يمشي لاعنا
ساعته السوداء
والحرب … ودهرا أجردا
ووحيدا
يقطع الأرصفة الكسلى
على غير هدى
ونجد أن قضايا العراق وهجرة العراقيين إلى الخارج بحثا عن
الرزق
والأمن ماثلة في ديوان الربيعي وتغطي القضية العراقية بكل
تفاصيلها على قصائد
الشاعر ومضامينها ، وأن قراءة قصائد الشاعر تشير بأنه شاعر
يحمل وطنه في روح قصائده
يبحث عن الوطن المفتقد في كل بيت وفي كل كملة لكن هذا الوطن
الآن يساوي لديه المنفى
الذي يخوض غماره وتجاربه المحبطة ." أن الربيعي يستغرق في
تفاصيل الوطن لا كجغرافية
ومكان خاص فحسب بل كحالة من الوجع الدائم المولد للشاعرية
والحزن معا "(مراجعات
نقدية لموجز الأخطاء الربيعي ، قراءة د. حاتم الصكر جريدة
الثورة عدد 8 نوفمبر 99
)
و نلاحظ عموما على هذا الديوان سيطرة ثلاث تيمات قد تكون
أساسية على
مضمون القصائد وهي المنفى والبحر والمطر ولكل تيمة من هذه
التيمات معادل موضوعي آخر
في رؤية الشاعر ، بحيث تصبح هذه التيمات ومعادلتها الموضوعية
ثنائيات متضادة تتشابك
في جسد القصيدة مكونة رؤية الشاعر في اللاوعي . فالمنفي يعادل
الوطن ،والبحر يعادل
الضياع ، والمطر يعادل الجوع
.
وتتحول تيمة المنفى الذي يعادل غياب الوطن إلى تيمة واقعية
تصاحب
الشاعر في مسيرة حياته اليومية ، وتتضح هذه الرؤية في أكثر
قصائد الديوان ؛
والشاعر عندما يتحدث عن المنفي فإنه دائم الإشارة والارتباط
بوطنه المفتقد الذي
يحمل صوره وذكرياته بين جوانحه وفي قصائده ، يقول في قصيدة
"سماء متحركة
":
منافي في الليل تهذي
وحين تنام المحطات تفتح أذرعها
تحت لسع الصقيع يسلم منفى على
جاره ويقول له
:
"كل
منفى وأنت بخير
"
نهبا لكل رياح الشتاء العنيفة
يبكي وحيدا
فهل أخطأت سفني
وأصاب الشتات
*****
فأسلم أمري إلى الليل
على غصن منفى حميم
كأمي
مساء الخريف المزمجر
هل لي بظل بلاد
ألوذ بخضرته
حين يحمر منفاي
ويسود جلد القميص المطرز
فوق أكف الفراشات تلك الحقول السعيدة
هل لي … ؟
وعلى الرغم من أن الشاعر يتحدث عن منفى ما فأن إشاراته لوطنه
المفتقد
تبقى قائمة في كل قصيدة وهنا نلاحظ الإشارات المختلفة ،" أمي ،
ظل بلاد ، خضرته ،
الحقول السعيدة " وهي إشارات تحقق صورة الوطن الذي يفتقده
الشاعر في الواقع لكنه
يبقى في خياله وفي وجدانه كحقيقة غير قابلة للزوال أو الإمحاء
.
وتتحول تيمة البحر إلى ما يعادل رمز الضياع واللا عودة ، كما
في قصائد
"ذاكرة
الألوان ، نوح – طبعة معدلة ، سماء متحركة " ، أن البحر يعادل
في ذاكرة
الشاعر وفي رؤيته الشعرية رمزا مهما من رموز الضياع والهجرة
والتشرد ، يقول في
قصيدة "نوح نسخة معدلة
":
حين
ارتفع الموج
وفار التنور
أركب وطنا رطبا
لكنك قلت : سآوي عاصمة تعصمني
زمنا بور
أرتفع البحر
وعدنا نطرق
شباك دم من ثلج
أركب حلما صلبا
لكنك علقت جبينك في ضوء شراع
سيشق الديجور
ارتفع الموت
وجرجرت الريح ذيول صراخك
ألقتك هشيما
تتقلى في وطن زور
وعلى الرغم من أن الشاعر قد استخدم العديد من الوسائل في
التنقل
والهجرة بين مختلف محطات هجرته لكنه لست أدري لماذا يركز على
البحر وعلى السفن
ويجعلهما السبب الرئيسي في هجرته وفي مأساته الحالية ، يقول في
قصيدة " سماء متحركة
":
قيل لي : كنت تجري على ساحل البحر
تغلق عينيك
تمد ذراعيك
نحو البلاد البعيدة
تغرف
تحسب
كم جثة في الطريق إلى المجزرة ؟
وتبدو تيمة المطر ومترادفاته كالسحابة والغيم الأكثر حضورا في
هذا
الديوان لكن الشاعر يصور المطر الذي يمثل في الأصل رمزا من
رموز النماء والخير ،
فيحوله الربيعي إلى مصدر من مصادر البوس والجفاف ، يقول قصيدة
"في رؤى جديدة على
طاولة يوسف"
:
فإذا بالمطر الأبيض
يركض منها
ويسيل على الجدران رماد رطب
وإذا بغراب الجوع على الأفواه
يرفرف
وإذا كانت المطر في قصة يوسف القرآنية قد هطل بعد سبع سنوات
عجاف وأحل
الخير مكان القحط والجفاف فإن مطر الربيعي لا يزال يهطل لكنه
يحمل في طياته الجوع
إلى الأفواه بدلا من أن يسد جوعها وكفافها
.
وتحمل العديد من قصائد الديوان عناوين تشير إلى المطر
ومرادفاته نحو
"
بروق ، أمطار ، ليلة ممطرة ، سماء متحركة ، بروج " ، ولا تكاد
قصائد من قصائد تخلو
من حديث عن المطر أو إشارة لفظية أو معنوية إليه
.
وعندما تجري الريح عكس اتجاهاتها فإن الغيوم والأمطار هي
الأخرى تسير
عكس اتجاهاتها وتعطي نتائج مخالفة للواقع الذي يجب أن يكون
فبدلا من أن تثمر الغيوم
عن زهور تنشر الحب والأمل فإنها تثمر خياما تصبح فيما بعد
منافي جديدة ، يقول في
قصيدة "سماء متحركة":
ما دامت الريح عكس اتجاهاتها
والغيوم تفرخ في كل هدب
…
زهرا تجر الخطى
فتصير المنافي خياما
تضم الشريد إلى صدرها المر
لكن
رمز السحابة والغيم يأتي أحيانا ليعطي معانا مغايرا حيث يرى
فيه
الشاعر وسيلة للعودة للوطن فالسحابة ربما تحمله وحيدا إلى وطنه
أو ربما تحمله إلى
منافي أبعد ، يقول الشاعر في قصيدة بروق
:
وقد ضيعت الدرب
إلى البحر
وقد….
أو …. ربما …. أي
أه يا جنية البرق
(ابن
يربوع
)
على حاشية الغيم
وحيد
ولأن المطر رمز للرخاء والخير والتغيير فإن بعض الناس يحاربون
حتى
المطر والشهب الجميلة في سبيل استمرار الواقع المزري أو كما
يسميه الشاعر الوقت
المهندم ، يقول في قصيدة بروج
:
في المدن البعيدة
يصعدون
يشيدون بروجهم
ليطاردوا الأمطار
والشهب الجميلة
ينفخون بطون أحر فهم
بريح صرصر
كي يكبر الوقت المنهدم
توظيف التراث
يبدو الربيعي في هذا الديوان متوجها لتوظيف النص القرآني وبعض
رموز
التراث العربي بشكل كبير فلا تكاد تخلو قصيدة من قصائده من هذه
الرموز والعناصر
والنصوص القرآنية،ويوظف الربيعي قصص التراث وقصص القرآن بشكل
بارز وتتم الإشارة إلى
القصص القرآنية أما بذكر عبارة أو مفردة أو أسم صاحب القصة من
الأنبياء نحو يوسف
أو نوح أو قصة الهدهد مع سيدنا سليمان ، أو يتم توظيف القصة
القرآنية كاملة داخل
النص ، ويستخدم الشاعر العديد من المفاهيم والعناصر القرآنية
في صياغة قصيدته
وأفكاره وذلك خلال بناء الجملة الشعرية ككل أو جزئية من
جزئياتها ، وأحيانا يتوجه
إلى توظيف بعض هذه الرموز والعناصر كشكل من أشكال التناص مع
هذه الآيات القرآنية أو
التراث العربي
.
وتبدو قصة سيدنا يوسف أكثر قصص القرآنية حضورا حيث يوظفها في
أكثر من
نص "رؤى جديدة على طاولة يوسف ، وقصيدة خطوط
" .
ففي قصيدة " رؤى جديدة على طاولة يوسف" يوظف الشاعر قصة النبي
يوسف
وقصة حلمه ثم رميه في غيابت الجب وهجرته إلى مصر ثم يعكس ذلك
ويوظف في إطار تجربته
الحالية في المنفى والهجرة بعيدا عن وطنه ، يقول في قصيدة "رؤى
جديدة على طاولة
يوسف"
:
علمك الجب
فأول … أول يا يوسف
تلك رؤى
منفى مشدود
بمغار الفتل
بسعف النخل
بنخلة برحي
تأكل من شعفتها طير
بمناقير عجاف
ويعيش بها سبع
والشاعر وهو يتناص مع قصة سيدنا يوسف بداية ، يولد حالة تناصية
أخرى
وجديدة في إطار رؤيته الشعرية مع بيت من الشعر الجاهلي لمريء
القيس
:
فيالك من ليل ، كأن نجومه بكل مغار الفتل شدت بيذبل
وهذا يدلل على تأثر الشاعر بعموم التراث العربي من شعر وتاريخ
وكذلك
بالقصص القرآنية، بحيث تشكل له مرجعية فكرية رؤيوية وأدبية ،
فهو لا يترك أي فرصة
شعرية أو تعبيرية إلا ويوظف بعضا من محفوظاته الشعرية أو
النصوص القرآنية كشكل من
أشكال التناص مع هذه النصوص، بشكل واعي وموفق
.
ويمزج الربيعي أحيانا بين الحكاية التراثية مستدعيا البعد
التاريخي
للقصة ثم يعكسها على واقعه الحالي أو الوضع العربي عموما ففي
قصيدة سماء متحركة
يستدعي القائد العربي مالك بن فهم الذي هاجر من اليمن إلى عمان
بعد انهيار سد مأرب
، والشاعر في واقع الأمر يصور رحلته الحالية فيجعل من رحلة
مالك بن فهم من اليمن
إلى عمان بعد انهيار سد مأرب مماثلة لهجرة الشاعر الشخصية من
اليمن إلى عمان
،
فيتقمص شخصية مالك بن فهم ويجري معه حورا صحفيا ، ويمثل انهيار
سد مأرب انهيار
أحلام الشاعر ، ولهذا فهو يصف تجربة الرحيل بكثير من الألم
والحزن والإحباط يقول في
:
في الطريق إلى قلهات
دموعي على حائط الوقت
جفت
وجف صليل اصطباري
وماء الجبين المكابر
جفت بروق دمي
للذين معي
قلت :سيروا
ومن نافل القول لي : كي تغيض بطون المسافات
ألقيت في التهلكة
هل ربطت السحابة
خلف ضياء السراج؟
لكن ما نلاحظه على هذا التوظيف وهذا الاستدعاء لقصص القرآن
والتراث
العربي هو سيطرة فكرة معينة على مضمون القصيدة و صياغتها
الجديدة فالشاعر يتكئ على
رؤية محددة وأصبحت متكررة في أكثر قصائده ودواوينه ، ونحن نشير
إلى رؤية الهجرة
والمنفي فهو لا يستدعي هذه القصص أو الشخصيات إلا لكي يوظفها
في إطار قضيته وواقعه
الحالي ولا يخرج أبدا عن ذلك الإطار فجميع الشخصيات القصص
القرآنية والتراث من نوح
،هدهد سليمان ، مالك بن فهم ، سيدنا يوسف ، الحجاج طوعها
الشاعر لتصب في النهاية
لكي تصور واقع الهجرة والنفي ، ويبدو أن مرجعية الهجرة والمنفى
وواقعه الحالي
مسيطرة على شعره وصوره وصياغاته بشكل كبير لما لا وهو يعيش
تجربتها يوميا . وحتى
الرموز المرتبطة بهذه الشخصيات نحو الجب وزليخة والتنور
والهدهد وسد مأرب و سيل عرم
والرؤوس التي أينعت كل هذه الرموز يوظفها في تصوير واقعه
الحالي وقد نجح في ذلك ،
فهو لم يقم بتزين قصيدته بعناصر التراث كنوع من التناص السطحي
أو الاستدعاء المظهري
وإنما راح يحفر في هذا التراث ويستخرج أجزاءه ويوظفها في شكل
فني مترابط مع نسيج
القصيدة ومضمونها وهذا الاستدعاء التراثي جاء
بوعي واضح وجعل من شخصية مالك بن فهم
أو النبي يوسف رمزا أساسيا في بناء فكرة القصيدة وتطورها
الدرامي كما في قصيدة
"سماء
متحركة أو قصيدة رؤى جديدة على سماء يوسف
".
اللغة
اتكأ الشاعر الربيعي على لغة ثرية بالدلالات والإيحاءات ولم
يعتمد على
لغة إشارية أحادية الدلالة . والشاعر عبد الرزاق الربيعي يسعى
في بعض قصائده إلى
لغة شفافة تعتمد على الوضوح والواقعية أنها لغة تكاد تكون خاصة
بالشاعر ، لغة تنطلق
من الواقع ومن وعي الشاعر بأدواته الفنية ، تقوم على الإضافات
والاستعارات
والمجازات ، وعبر توظيف مجموعة من القصص القرآنية والتراثية
وبعض الألفاظ العربية
التي لها أبعاد تاريخية راح الشاعر يعبر عن رؤيته الشعرية وعن
ثنائياته التي بدئت
واضحة من خلال منجزه الشعري الوطن : المنفى ، البحر : الضياع
،المطر : الجوع ،
ويمكن أن نلاحظ بعض ملامح هذه اللغة في هذا المقطع من قصيدة
"بروج"
:
يتسلقون لهاثك المحموم
والجرح المقمط
يصعدون جبال سهدك
يرتقون مآذن الأوقات
أجراس الكنيسة
برج بابل
يرتقون قصورك الفيحاء
في قرميد أعمدة الجريدة
يصعدون يصافحون البرق
أثداء الغيوم
على ربى
خبر يلمع صورة زرقاء
أضواء أغنية جديدة
ونلاحظ ضمن إطار التشكيل اللغوي لدى الشاعر مواصلة الشاعر
لتوظيف
الإنزحايات اللغوية في كثير من قصائده ؛ نحو (حدائق بابل
المعلقة أصبحت جنائز معلقة
، كل منفى وأنت بخير بدلا من كل عام وأنت بخير ، وكالة الأنقاض
بدلا وكالة الإنقاذ
، شمال القطب الأفريقي بدلا من القطب الشمالي
).
وفي
قصيدة " معادلات موزونة" ومن ضمن الإقتناصات اليومية والعابرة
التي يوظفها الشاعر ببراعة ومستثمرا طاقة المطابقة الدلالية
كما يقول الدكتور حاتم
الصكر ، يأتي الشاعر بمعدلات جديدة تغير مفهوم الخلق والوقت
وحتى الإنسانية فيقول
:
قد
تحسب أنك
مجبول من صلصال النجم
ولكنك في ذاكرة الأوراق الرسمية
لست سوى رقم
******
قد تحسب أنك
مبتدأ مرفوع
لكنك في حاشية (النحو الواضح)
لست سوى أسم مجرور
وفي بعض القصائد يدمج الشاعر الكثير من أدواته الشعرية التناص
والإنزياح اللغوي وتوظيف التراث وربطه بالواقع المعاش في لوحة
تشكيلية واحدة ، كما
في قصيدة "سماء متحركة" ، وهذه القصيدة بالفعل تعد من أفضل
قصائد الديوان كتابة
ومضمونا وتبرز هذه القصيدة أدوات الشاعر ومقدرته الفنية على
كتابة قصيدة حديثة
تتوفر فيها كل مظاهر الحداثة من توظيف للتراث واستخدام اللغة
الواقعية وصياغة الصور
الشعرية المتقنة المرتبطة بالواقع.
على أن صياغات الشاعر اللغوية قد يصيبها بعض الضعف اللغوي
أحيانا
نتيجة لاندماجه في كتابة القصيدة بلغة بسيطة فجاءت بعض
العبارات بشكل غير متقن نحو(
وقالوا : يا ما قلنا لك ، ماذا لو زعلت مني ، قال الجدود ولم
نكذب ما أتوا ، يا ما
بت الليل أعدد أنجمها
)
واختفت من الديوان المفردات الشعبية العراقية التي استخدمها
الشاعر في
ديوانه السابق ولكن مفردات الوطن وأماكنه ظلت موجودة في
قصائده وإن لم يكن بشكل
كبير كما كان في ديوانه السابق ، وقد استعاض عنها الشاعر
بمفردات وألفاظ تدل على
الهجرة والمنفى وتعبر عن واقعه الحالي ( الجواز ، التأشيرة ،
مكتب الطيران ، أعمدة
الجريدة) ، وتكثر أيضا مفردات المدرسة والتدريس وهي الوظيفة
التي يشغلها الشاعر
حاليا في قصائده ومن ذلك ( باص المدرسة ، الطالب والدفتر
،عطلة الصيف ، الإضبارة
الشخصية ، الولد الشاطر ، المختبرات ، ذاكرتك المدرسية ،
الحقيبة ، كراسة الرسم
)
،
كما تكثر مفردات أخرى تتعلق بالبيئة الحالية التي يعيش فيها
نحو (الكثبان والجبال
والبحر والمطر والرعد والغيوم ، السفائن والأشرعة ، الربع
الخالي ، الأودية ،
السيول ) وتتكرر بعض هذه المفردات بشكل رئيسي في أكثر قصائده.
ظواهر أسلوبية ولغوية
:
يسيطر على قصائد الشاعر مرجعية سابقة إن كان في فكرة القصيدة
أو
صياغتها فهو يعتمد على عدة أساليب قد تكون متكررة في أكثر
قصائده وديوانيه ويمكن
مقارنة الأبنية الأسلوبية في هذا الديوان مع ديوانه السابق حيث
نلاحظ تكرار بناء
مطالع القصائد و بناء الجملة أيضا مع اختفاء أكثر الأساليب
الإنشائية التي استخدمها
في ديوانه السابق نحو النداء والتساؤل وغيرها.
فمثلا تكثر الجملة الظرفية ؛ المكانية والزمانية في مطالع
قصائد
الشاعر الربيعي وأتصور أن تواجد هذه النوع من الجمل الظرفية
بكثرة ، يشير إلى فقد
ماهية المكان والزمان في عالم الشاعر وإلى الرغبة الكامنة في
نفسيته للتعبير عن
المكان والزمان الأساسين اللذان يفتقدهما في حياته الواقعية ،
وهما الوطن مكانا
والوطن زمانا ، (حين أنخت شريدا راحلتي ، حطت ، حين يحط النعاس
الثقيل ، حين طلعنا
دق الماء ، كلما تعلو بنا طائرة الليل على الغيم على الريح ،
فوق التبن عجوز نشرت
حدبتها ، الغيم على حائط يهذي ، الليلة في الليل
) .
واختفت من هذا الديوان مطالع القصائد التي تتبع أسلوب التكرار
حيث لم
يعد الشاعر يبني قصائده على جملة شعرية ثم يكررها مع بداية كل
مقطع بحيث تصبح مثل
اللازمة الشعرية مثلما كان يفعل في ديوانه السابق وإنما حاول
أن يبدأ كل مقطع بجملة
جديدة ، إلا في قصيدتين فقط هما " أرصفة " حيث يبدأ بكلمة
العراقي في كل مقطع ، وفي
قصيدة "رؤى جديدة على طاولة يوسف" حيث يبدأ كل مقطع بـ "علمك
الجب فأول … أول يا
يوسف
" .
الصورة الشعرية
وتتفاوت صور ومجازات الشاعر بين الصور والمجازات البسيطة
اليسيرة
التركيب وبين القصيدة الصورة ، ويستخدم الشاعر أحيانا الصور
المعتمدة على الكناية
والاستعارة المكنية أو الصور المباشرة المعتمدة على أدوات
التشبيه البسيطة كالكاف
ومثل ، وتبدو صور الشاعر الربيعي انعكاس للواقع الذي يعيشه
الشاعر ، ولمختلف تجاربه
الإنسانية ، يقول الربيعي في قصيدة " كثبان"
:
جسد كعلامة استفهام
في ذل سؤال
يتدلى في الريح على قارعة الصدفة
قال : دق منارة قلبي
قلب ضال
أمسك نبضي من ياقته
لكن الجسد الواقف مثل علامة
استفهام في ذيل سؤال
أستدرك قال
:
كان الرمل يحن إلى الرمل
وكان شمال القطب الأفريقي
يبلل صمت الربع الخالي
بنسمائه الفارهة الظل
وبالنسبة للموسيقى فإن الربيعي يبدو في هذا الديوان أكثر توجها
إلى
تبنى قصيدة التفعيلة كشكل فني يحقق عبره شاعريته ،كما يبدو
تراجع الشاعر عن كتابة
قصيدة النثر ، على الرغم من وجود بعض القصائد التي مزج فيها
الشاعر بين قصيدة
التفعيلة وقصيدة النثر . ويدل هذا على تفضيل الربيعي للشكل
التفعيلي وعلى اختياره
للشكل الموسيقى حسب كتابته للقصيدة لحظة قدومها ، ويبدو
الإيقاع في قصائده عموما
عاكسا للحظة النفسية ولمضمون القصيدة ذاتها ، وقد لاحظنا
اختفاء قصائد الشعر
الواقعي ذات النبرة العالية وحلول القصائد ذات النبرة
الموسيقية المنخفضة والتي
تعكس هدوء في نفسية الشاعر رغم احباطاتها المتعددة ، وهو ما
يعد تطور إيقاعي له
دلالاته وأبعاده على تجربة الشاعر الحالية والمستقبلية
.