الحداثة وخطاب المثقف العربي
د.
زينب هادي حسن
سبق وأن طرحت الساحة العربية مفهوماً جديداً، في وقته، يتمثل
في
الحداثة وهذا المفهوم هو جزء من الثقافة البيئية المتطورة
بتطور الأوضاع، ذلك أن
الحداثة هي حركة (سياسية – ثقافية) تتسم بالطابع التقدمي
غالباً فهي مهتمة بإزاحة
كل ما من شأنه أن يوصف بالمتخلف والرجعي حتى على الصعيد
الإجتماعي من حيث الدعوة
إلى محو الأمية وتعليم المرأة والدعوة إلى مشاركتها في المجتمع
وفتح مجالات العمل
لها.
وتجدر الإشارة إلى أن آثار الحداثة في الأدب بدت جلية من حيث
طريقة الطرح
والمعالجة فضلاً عن الحرية في اختيار الموضوعات من دون أن تفرض
على الأديب قسراً،
الأمر الذي لم يكن معمولاً به سابقاً.
لقد جعلت الحداثة من الفكر الإنساني فكراً
شاملاً غنياً بآرائه الجديدة الصادرة من عقلية ذهنية قوية،
لاسيما وأن الفكر يشمل
المضمون الثقافي الأدبي فضلاً عن المضمون السياسي إذ ليس
بالإمكان التمييز بين
المثقف وبين السياسي لأن لكليهما ذهنية قادرة على تشكيل الأطر
الموجودة في البيئة،
فضلاً عن كونهما يعملان في مجال واحد تقريباً، ولاسيما أن
السياسي مسؤول عن إعداد
الخطاب الثقافي وتوظيفه في المجتمع وعلى وفق ذلك تكون الحداثة
أداة لترسيخ معطيات
جديدة في الذهن لأنها مسؤولة عن صيرورة مبادئ ومفاهيم وآليات،
غير متداولة، تعمل
على ترسيخها، وذلك من خلال التصورات الجديدة المنبثقة نتيجة
الشعور بالتدهور
والإنحطاط المستشري على صعيد المضامين الثقافية كافة.
وتعرف الحداثة بأنها
"انقلاب
إيديولوجي وفكري جوهري، حدث عندما اعتبر المجتمع نفسه مسؤولاً
عن مصيره"
.
وبمعنى آخر هي (فن) التحديث، فن الإبتعاد الصارم عن المجتمع،
إنها فن اللافن ذلك
الفن الذي يحطم القوالب الجاهزة ويميل إلى بناء عوالم خاصة على
وفق رغبات الناس
الفوضوية التي لا يحدها حد، والحداثة لا تؤمن بالقداسة وإنما
تؤمن بالإبداع وهي
تعكس قلقاً لدى المبدع يعرف بقلق النمذجة، قلق الصراع مع
السلطة، سلطة الأنموذج
المتشكل تاريخياً، في الماضي، والأنموذج المنتصب إلى أمام،
وعلى الأصعدة كلها التي
يمكن للأنموذج أن يتشكل عليها فهي إذن جاءت لتحطم وتهاجم
المعتقدات الراسخة كلها
لتبتني منهجاً جديداً ورؤية حضارية في مواجهة الأشياء، إنها
تؤثر على الذات المبدعة
من خلال دراسة النفس الإنسانية من الداخل معتمدة في ذلك على
وسائل فنية جديدة وعلى
وفق ذلك تكون الحداثة حركة طليعية تبحث عن الخلق والإبتكار
وتستدعي خروجاً من الإرث
الحضاري كما تستدعي المقامرة ونبذ الإرتكاز على معطيات التراث،
الأمر الذي قد يتطلب
نهوضاً شعرياً جديداً ذلك أن الحداثة تعني فيما تعنيه، أولاً
وأخيراً، ثورة على
النمط السائد ودعوة إلى الخلق عن طريق اللغة. ومما تجدر
الإشارة إليه هو أن الحداثة
العربية ترتبط بعملية الإبداع ذاتها وعلاقتها بالحساسية
الشعرية أو الفتية للكاتب
أو الشاعر وترتبط بتجربته الشخصية بعمق وعيه للوجود الإنساني
للتاريخ وللزمن الذي
يوجد فيه بوعيه للأشكال الإجتماعية والفكرية والسياسية الذي
تواجهه بقدرته على
الإمتلاك نقدياً، ولكن أيضاً على حسه الداخل والإبداعي بالطاقة
السوية الكامنة في
اللغة والأشكال التي يتعامل معها والتي يخلقها، وقبل كل شيء
بمدى الحرية التي
يوجدها في كتاباته.
إن هذه الملامح الكامنة في الشكل واللغة أثرت في الكاتب
وجعلته يستجلب نصاً خاصاً به، وساعدت في وجود التهويمات
النفسية والذاتية ذلك أن
المنحى الأحادي كان بمثابة إنفلات من الذات وهذا ما أدى إلى
تمويه الخطاب من خلال
مجافاة أنماط الصياغة المتعارف عليها - أي الخروج عن العلاقات
اللغوية المألوفة
وعلى نحو يستتبع صراعاً مع المعتقدات التي تمثل المفارقة
القديمة التي تحولت بفعل
ثباتها إلى معتقدات راسخة. والحداثة ثورة من حيث هي تجاوز
وتخطي وإغناء لعطاء جيل
سالف أو أجيال سابقة في محاولة لتمثل اللحظة التاريخية
المعاصرة في ضوء فهم جديد
للأشياء، الأمر الذي يعطي الجيل الطالع أهميته ويبرر وجوده
واستمراره. وتجدر
الإشارة إلى أن التجاوز يستلزم شرطاً مهماً وأساسياً بأن يقوم
الجيل الجديد بمراجعة
نقدية واسعة لعطاء الجيل السابق في ضوء فهم جديد أكثر معاصرة
وغنىً وأكثر اتصالاً
بالمنجزات العالمية ، لاسيما وأن بعض الكتاب يجدون في الثقافة
العالمية منجزاً
أثرياً أكثر غنىً لأنهم يعيشون في وسط ثقافي محدد يفرض عليهم
نوعاً خاصاً من الحياة
إذ لا مجال للأشياء الجديدة أو المبتكرات الحديثة لأن هذه
الإبتكارات قد تواجه
رفضاً من المجتمع، فكل شيء عندهم يعد مقدساً لكونه قديماً
ولكونه يتفق مع طبيعة
المجتمع ولا يقف بالضد منه وعليه فإن ثقافة جديدة مشجعة
للإبداع وداعية إلى الخروج
عن تقاليد المجتمع تعد ثقافة مطلوبة من قبل البعض لاسيما وأنها
تلبي فيهم حاجة
أساسية إلى التغيير لكونها ثقافة موجهة لإحداث التغيير.
وقد يكون السعي لاكتساب
المفاهيم الجديدة (الحداثوية) له مثاليه لكونه قد يغزو المجتمع
بأفكار جديدة أو
هدامة من حيث أنهم يعدون الجديد أفضل من القديم مما يؤدي،
غالباً، إلى تهشيم القديم
وتحطيمه، والقديم غالباً ما يكون تراثاً أو فكراً، وهذا ما
ساعد على خلق القطيعة
بين القديم والجديد. كما أن تبني مثل هذه الأفكار قد يؤدي إلى
تغيير الأنساق
الفكرية والثقافية والإجتماعية من حيث حدود تغييرات طارئة في
المجتمع لاسيما في
بنيته وهذا ما أدى إلى ازدياد المسافة بين الأجيال السابقة
واللاحقة، إلا أنه ليس
بالضرورة أن تكون كل دعوة إلى النبذ والتغيير دعوة هدامة لأن
بعض الدعوات تستهدف
إغناء الماضي بالحاضر، ومن أجل ذلك ظهرت أزمة المثقف العربي
الذي غالباً ما عانى من
الإضطرابات الفكرية نتيجة الرغبة في إحداث التغيير في نمط
التفكير السائد من خلال
الإنعتاق عن المظاهر التقليدية الأمر الذي ساعد في ظهور
التجريبية التي تعني فيما
تعنيه أن ترتدي "الحداثة ثياباً متنوعة وأشكالاً متعددة
متتالية متفاوتة متكاملة
ومتعارضة" لاسيما وأن الحداثة تعني التجديد المطلق وهذا ما
يشير إلى ديناميكية
الحركة الثقافية داخل حدود هذه المجتمعات، ووسط هذه التداخلات
الثقافية لا نعدم أن
نجد أثراً للذات المبدعة والمنفردة في الوقت نفسه وحركة هذه
الذات داخل المجتمع
تحدد الأطر الثقافية داخل حدود هذا المجتمع، ولما كانت الذات
نزاعة إلى كل ما من
شأنه أن يوصف بأنه جديد مبتكر متفرد تراها تعيش حالة من التحفز
نحو كل النتاجات
التي توصف بالغرابة سعياً وراء وخلف تحقيق حلم الذات في تكوين
النتاج
المتحدي.
وقد يأتي إستقاء الأصول الثقافية المستوردة من الغرب والدخيلة
على
ثقافة المجتمع من غير وعي فتتراكم المعلومات وتختلط على نحو
يؤدي إلى ازدواج هذه
المعارف، وقد يكون العكس صحيحاً أيضاً أي أن يكون الإزدواج في
المفاهيم مقصوداً
لإنتاج الجديد نتيجة الخلط المعقد في المفاهيم والأفكار
المكتسبة التي من شأنها أن
تسد النقص الذي يعاني منه أبناء هذا الجيل. والحداثة قد أحدثت
تبعاً لذلك تغييراً
في الشكل والمضمون إذ أخذ كل منهما منحىً خطيراً ومنحرفاً
إنحرافاً تاماً عن الأصل،
لاسيما وأن الحداثة تعنى بالكشف عن العلاقات إلى جوار استبدال
الرؤى والأفكار
والمفاهيم والمناهج والعقلانيات الأمر الذي يعكس موقفاً جديداً
ومغايراً بإزاء
الحقيقة والمعرفة والذات. وعلى وفق ذلك تكون الحداثة قد اشتغلت
على البديهيات نفسها
بوصفها تمثل مفاهيم للحضور والتطابق والتمثل وبذلك يكون
الإندراج ضمن تيار الحداثة
يمثل وعياً منتظماً فضلاً عن كونه يمثل رغبةً في تحطيم الأنساق
السائدة في
المجتمع.
لقد ولدت الحداثة نتيجة للضرورة الفكرية والإجتماعية
والتاريخية ولذلك
كانت الدعوة ومنذ النهضة العربية الحديثة إلى هدم البنية
التقليدية للذهن العربي من
خلال إنشاء خلف جديد مبتكر يخرج عن الموروث من خلال الكم
الهائل من التصادمات
السياقية التي تحدث نتيجة التحولات التي تحصل عند المثقف الذي
يسعى إلى إنجاز متخطٍ
متجاوز ولكن يبقى هذا الجديد المتخطي هامشاً يزحف نحو المركز
(التراث) من أجل أن
يزعزع البناء العام وصولاً إلى تفتيت المركز وبعثرته وذلك كله،
وبلا شك، ينعكس على
الثقافة، التربية، الدين وعليه لابد من معالجة هذا الجديد
والعناية به وصولاً إلى
رؤية شمولية للموضوع. لأن تهشيم الثقافة العربية أمر مرغوب
فيه، بل هو أمر مثير
للإستنتاج في بعض الحالات وعند بعض القطاعات التي تنتقدها
الشخصية العربية والعقل
العربي.
إن كلاً من المجتمع والثقافة ظاهرة حية، بل هو وحدة مترابطة
وهنا عودة
إلى الذات إذ قد يتيقظ الوعي بسبب الأزمة والأزمة تحدثها
الرغبة بالشفاء وبدخول
عالم الأصحاء. ولابد من الإشارة إلى أن وجوده القوي أحدث
الصدمة وأيقظ الوعي
والفكر. وفي مرحلة ما بعد الصدمة والإستيقاظ ترسم الإرادة،
بملء الفراغ ما يجتاز
المسافة التي تقود إلى الحل.
ويرى بعض الباحثين أن الحداثة لا تولد من العدم ذلك
أن المثقف شخص يفكر بصورة أو أخرى مباشرة، أو غير مباشرة
إنطلاقاً من تفكير مثقف
سابق يستوحيه، يسير على منواله، يكرره، يعارضه، يتجاوزه. إذ لا
وجود لمثقف يفكر من
الصفر فالتفكير تفكير في موضوع، والموضوع إما أفكارنا وإما
معطيات الواقع الطبيعي
أو الإقتصادي أو الإجتماعي، وإذا كان الموضوع هو الأفكار
والآراء والنظريات التي
قال بها مثقفون في زمن مضى أو في الزمن المعاصر، فإن المثقف هو
الذي يفكر في هذا
الموضوع بفعل مرجعية ثقافية. وغالباً ما تكون هذه المرجعية
الثقافية مستلة من
الثقافة العالمية المتمثلة بالكتابات المتقدمة لأعلام مثل
ماركس، فولتير، روسو،
هيجل وغيرهم.
وتجدر الإشارة إلى أن الحضارة العربية لم تزود المثقف العربي
على
نحو ما بالمعارف الكونية الأمر الذي شكل عائقاً أمام الحداثة
التي لطالما تعرضت إلى
إخفاقات على أيدي المثقفين، ذلك أن الحداثة العربية بحاجة ماسة
إلى الإنفتاح على
حداثات أخرى تكون أكثر عمقاً واتساعاً على نحو يسهم في افتتاح
الخطاب على جملة من
التصورات الجديدة.
ولو توقفنا قليلاً عند بعض الخطابات الحداثوية لمثقفين عرب
لخرجنا بنتائج متعددة ومتنوعة تشير جميعها إلى قضايا خاصة
بالكتابة تكاد تكون منصبة
كلها على أزمة الكتابة، ويوتوبيا المثقف العربي فضلاً عن الربط
بين مقولات الحداثة
وبين الإيديولوجيا ذلك أن المثقف العربي مفكر، من حيث تناوله
ومعالجته لموضوعاته
المتعددة التي تتسم بالشمولية والإنفتاح على مناحي الحياة
المختلفة على نحو ما نجد
من كتابات ونصوص شعرية كتبت وقيلت في مناسبات حديثة نحو نكسة
(1967) التي حظيت
بعناية فائقة من قبل جمهور الأدباء (الكتاب والشعراء) وعلى نحو
لافت للنظر. والمثقف
العربي كان مدفوعاً بإزاء هذا الحدث بالأمور الآتية:
(1) المعرفة
المتمثلة من
الواقع الذي يعيش فيه المثقف.
(2) التصور
الحاصل عنده لاسيما مع تعدد الإتجاهات
والمنطلقات الفكرية والنظرية المعالجة لهذه المواقف.
(3) الحدث
المسيطر والمستوى
الثقافي السائد في المجتمع ومرجعية المثقف من المقولات
المتواجدة في الساحة
الأدبية. إن أغلب المثقفين العرب كانوا منضوين ضمن هذا الإتجاه
من الكتابة مثل سمير
أمين، علي حرب، عبدالله العروي.
(4) الربط
بين المعرفة الثقافية والكونية التي
قد تستند إلى معطيات التراث وبين الحضور الحي للإيديولوجيا
الثقافية والفكرية كما
في نصوص محمد عابد الجابري.
من الضروري والمهم أن نتوقف عند اللاوعي الثقافي
العربي بوصفه أداة للذات المبدعة الخلاقة فلابد من استكشاف
اللاوعي وصولاً إلى
معرفة الآثار المعرفية السالفة وأثرها في نشاط المبدع سعياً
إلى الإنعتاق من آثار
الماضي لتكوين وعاء إيديولوجي جديد مغاير لما سبقه من رؤى
وأفكار ولعل مرد ذلك إلى
أن أي نص يستوحي مباشرة مرجعية ثقافية بعضها يذكرها المبدع
وربما كلها أو يستل منها
أو يزيد عليها وفي الحالات كلها تبقى مادة مستنبطة من مرجعية
سابقة.
إن الحداثة
على وفق هذا المنظور هي استراتيجية تقوم على التجديد من
الداخل، تجديد ثقافتها من
داخلها أي تخليصها من مرجعيتها والمقصود بالمرجعية هنا الإطار
أو النسق الخاص الذي
تناول الباحثون داخله الفكرة التي ترتبط بهم بوصفهم مرجعية لها.
أي ألا تسلط
الأضواء على الألفاظ فحسب بل ما تحت الألفاظ بوصفها طريقة في
المعالجة التي من
خلالها نصل إلى حقائق الأشياء وحقائقها الأساسية للوصول إليها
ومن ثم إلى طبيعة
النص ومدى تجاوزه للحدود المعروفة ومدى اندراجه على التأهيل
والإبداع. فما كان
أصيلاً مبتكراً في جوهره يعد نصاً حداثوياً، وما كان مسايراً
للواقع يعد نصاً غير
حداثوي ونحن لا يعنينا النص غير الحداثوي بقدر ما يعنينا النص
الحداثوي الذي يقوم
على خرق النظام السائد في كل شيء في لغته، أفكاره، طريقة
معالجته، في تبنيه لأشياء
عالمية مكتسبة من الآداب العالمية أو الأفكار الغربية الأمر
الذي يمهد لشيوع أفكار
خطرة.
إن الدخول في متاهات الحداثة قد يؤدي إلى ذيوع القلق المتنامي
وذلك متأت
بلا شك من أن الحداثة تنطوي على قلق دائم لا يعفو عليه الزمن،
وتنطوي على نوع من
الهدم المستمر في الزمن من دون أن تتحول إلى بنية ثابتة، تنطوي
على سؤال مفتوح لا
تأتي السنوات بإجابة عنه، لتنحاز دائماً إلى أحد طرفي ثنائية
مستمرة عبر الزمن، بين
ما هو جاهز، معد، مكرس، شائع، ومقبول إجتماعياً على المستوي
العريض، وما هو متمرد،
داحض، ملق، هامشي، يسعى إلى نظام قيمي مستعصِ بطبيعته على
التحقق، ومتعدد دائماً.
وتجدر الإشارة إلى أن خطاب الحداثة غالباً ما يقيم بناءه الخاص
عبر استخدام
اللغة استخداماً خاصاً مغايراً للعديد من الخطابات الأخرى
وعليه يجب أن تبنى
القراءة النقدية للخطابات الحداثوية بناءً خاصاً يقوم على أساس
التركيز على اللغة
أولاً وعلى الذات المبدعة ثانياً. ذلك أن أي عمل أدبي أو
إبداعي إنما هو عمل وشكل
قلق فني مبتدع تقوم فيه اللغة بخلق فضاء لغوي خاص إلا أن هذا
الفضاء هو جزء من
الواقع إذ أن اللغة ترتبط مع الواقع برباط وثيق لأن اللغة هي
تمثيل للواقع ويكون
هذا التمثيل غالباً فوضوياً إلا أن فوضويته ليست مطلقة وإنما
مقننة، إلى حد ما،
لاسيما وأنها تبحث عن المتغير في الأمكنة لأنها ترفض الساكن
والثابت في الخطاب
المثقف وتبحث عن كل ما هو متغير عن طريق تحطيم النسق السائد
وذلك بعد التعامل مع
النص تعاملاً خاصاً، تعاملاً فنياً وبلاغياً خاصاً على نحو
يظهر العديد من
الإستعارات والكنايات في النص فضلاً عن تعميق استخدام المثقف
للغة منحرفة عن
القانون لاسيما وأن اللغة تهشم الشكل الطبيعي للنص لأن فرادتها
تكمن في النص متمثلة
في روحية المبدع ورؤيته الخاصة التي تلبي فيه رغبته لصياغة
مبدعة وهي طبقاً لذلك
إما أن تعين شيئاً خاصاً ملموساً أو فردياً أو شيئاً عاماً،
بمعنى أن مدلول اللغة
يمثل إما مقولة خاصة ملموسة أو مقولة عامة بحسب السياق، أما
المقولة الخاصة فتنتج
تعددية في طرح الأفكار ووجهات النظر حسب السياق النص. وقد يؤدي
الجنوح الفكري عند
الكاتب أو المثقف إلى تفتح النص لاسيما مع نشوء العلاقات
المجازية إلى ضياع الدلالة
في سديم فضاءات سائبة لا صلة لبعضها ببعض، فأضحت الكتابة،
تبعاً لذلك، متتالية من
الإنحرافات التي تقوم على خرق قواعد الكتابة المتداولة الأمر
الذي يؤدي إلى إثارة
المتلقين نتيجة هذا النمط من (التفرد) في الكتابة المشفرة،
فيضحي المتلقي، تبعاً
لذلك، بمثابة (مشروع يتلقاه تلقياً جمالياً).
وقد تستخدم الوحدة اللغوية
للدلالة على النص المتتبع إذ أن ((الهدف الأساسي للشعرية هو
تحديد الفوارق الخاصة
بالفن اللغوي والمتميز عن بقية الفنون ومظاهر السلوك اللغوي))
فالمفردة اللغوية في
النص تؤدي وظيفة إيحائية باجتماعها مع بعضها البعض فالنص خلق
ليوحي بشيء ما (ذاتي
أو عام) كأي نص شعري يتألف من مجموعة من المفردات اللغوية التي
تربطها مع بعضها
البعض علاقات مختلفة، وإن هذه المفردات اللغوية وحدت لتعبر عن
معنى (مشفر) والشفرة
((هي
نسق من العلامات يتحكم في إنتاج رسائل يتحدد مدلولها بالرجوع
إلى النسق نفسه،
وإذا كان إنتاج الرسالة هو نوع من التشفير فإن تلقي هذه
الرسالة وتحويلها إلى
المدلول هو نوع من (فك الشفرة) من خلال العودة بالرسالة إلى
إطارها المرجعي في
النسق الأساسي ولذلك يتحدث بعض دارسي العلامة عن نوع من
التطابق بين (الشفرة) و
(اللغة)
أو بين (الرسائل) و (الكلام).
إن عملية فك الشفرة والوصول إلى دلالة
النص أمر يتطلب من المبدع أن يقيم علاقات داخلية بين المفردات
وذلك بحسب قواعد
يرتبها المبدع وتكون جزءاً من إبداعه الخاص لاسيما في الكتابات
السياسية التي تتصف
بطابع المقلق الغريب عن اللغة المتحدث بها فليست الكتابة، بأي
حال، أداة للتواصل
ولا طريقاً مفتوحاً تعبره بنية اللغة وحدها. إذ أن الكتابة لغة
مجمدة تعيش في ذاتها
وليس منوطاً بها أن تودع في ديمومتها الخاصة سلسلة متحركة من
المعاني التقريبية، بل
تسعى، نقيض ذلك، إلى أن تفرض، بوساطة وحدة إشاراتها وظلها،
صورة كلام تم تكوينه قبل
أن يبتكر. وما يعارض بين الكتابة والكلام هو أن الأولى تبدو
دائماً رمزية، منكفئة،
متجهة جهاراً صوب منحدر سري للغاية، بينما الثاني (الكلام) لا
يعدو كونه ديمومة من
الإشارات الفارغة التي تكون حركتها وحدها ذات دلالة.
الشاعر
يعد الشعر منجزاً إبداعياً متميزاً لا يتأتى إلا لفئة معينة
من الناس وهو تبعاً لذلك يمتاز (بالتفرد) وبالإختلاف من شاعر
لآخر. ولعل من أهم
الأسباب المؤدية إلى الإختلاف والتمرد كونه نتاجاً ذاتياً يقوم
على استحضار المواقف
التي يستشعرها المنشئ وقت تسجيل لحظته الشعرية، وهي تبعاً لذلك
ثورة ذاتية مرتبطة
بالذات المبدعة أولاً وأخيراً. ومن ثم فإنه يقدم على التغيير
المطرد عن السائد وهذا
أمر طبيعي إذ ما الجدوى من الإستمرار في النظم على وفق الشكل
السائد المتبع، ثم كيف
نستطيع أن نقيس إمكانية الشعراء وموهبتهم الشعرية إن كانت
نتاجاتهم متشابهة
ومتكررة. من أجل ذلك كله ظهرت دعوات صريحة إلى نبذ الإرتكاز
إلى السائد والسعي إلى
ما هو جديد ومغاير ومختلف من النصوص الشعرية التي كانت تمثل
ثورة على الواقع أولاً
ومن ثم ثورة على الذات لأن الحياة ترفض السكون والجمود، إنها
تجدد نفسها باستمرار
وإن هذا التجديد يحصل باللغة وبالكلمة المنطوقة، ذلك أن الكلام
الحديث ينتمي إلى
الواقع اللغوي الذي قد يضيع مع كتابة الكلام لاسيما مع الشعر
الرؤيوي الذي يستلهم
مادته من الموهبة والمعرفة والخبرة التي تتيح له توسيع آفاقه
الشعرية، وذلك من خلال
العناصر الفنية المكونة للعملية الشعرية وتنبني هذه المفاتيح
الثلاثة على عوامل، هي
الإستشعار الوجداني والوجودي لتجربة الباطن من جهة والتعبير عن
رؤى العالم والإنسان
والتاريخ من جهة الموقف واستشراف الآتي والمغامرة في المجهول
وذلك من خلال الفن
بمعنى الإنزياح عن لغة القاموس إلى لغة الإيحاء من جهة الرؤيا،
الأمر الذي أدى إلى
شيوع الغموض عند المتلقي الذي لم يعد يجد النص مستساغاً أو
مقبولاً، لأنه قد فقد
القدرة على إدراك المغزى الذي يبيته الشاعر أو لنقل لكونه قد
أصبح غير قادر على
تأويل النص ومن هنا وجب الإهتمام بالبنية المنطقية للكتابة
فضلاً عن البنية اللغوية
أو بنية الجملة ككل حتى مع وجود مستوى آخر من الخطاب الذي يكون
فيه المستمع أو
المتحدث فرداً توجه فهمه أو استجابته بالواقع وباللغة نحو
خبرات أكثر خصوصية تسمح
بالتأويل وعلى وفق هذا كله تتسع النصوص للتأويلات النهائية
والممتدة في النص
لاسيما عندما يكون النص مفكك الأجزاء ويكون كل مقطع من مقاطعه
مستقلاً في ذاته عن
المقطع الآخر فضلاً عن عدم وجود لحمة شعرية أو وحدة شعرية تجمع
بين أجزائه، نتيجة
ذيوع التمظهرات النصية المتمثلة في البروز الأسلوبي والإيجاز
والحذف وانفتاح
الدلالة عند المتلقي، كما في النص الآتي لعبد الرحمن طهمازي
الذي يحمل عنوان "أمل
دموي" إذ يقول:
شبح ينزل بين إنائي
شبح يصعد في السلم
شبح للأخشاب
شبح
لي
وعمود يخرج من الضوء
مثل حبي في قيلولة
مثل وجوه المرضى ذات
مساء
مثل اليوم الآتي
مثلي
مثل الصيد إذا شاخ الصيادون
مثل المرأة وهي
تخبئ البحار أو
تغويه
تنسيه البيت
وجه حبيب ليس كوجهي
وأنا
إذ يحفل
هذا النص الشعري بالبروز الإسلوبي الذي يؤدي دوراً فاعلاً في
النص من خلال الدور
الذي تلعبه المفردة اللغوية التي تحظى بأهمية خاصة متأتية من
اهتمام القارئ بها
لاستعمالها كدلالة تبدو معزولة عن باقي النص إذ أن المفردة
تقيم علاقات جديدة في
النص من حيث أنه ينفي العلاقات التلقائية بين الدلائل ويحول
العلاقة إلى نوع جديد
يعتمد على القوة الصوتية المتولدة في النص لاسيما في قوله:
شيح ينزل بين
إنائي
شبح يصعد في السلم
فالصوت متولد من هذا التضاد بين (النزول والصعود)
وبين (إنائي والسلم) ويعزز التوازي الترادفي من قيمة هذا الصوت
المتولد في
النص.
شبح ينزل بين إنائي
شبح يصعد في السلم
شبح للأخشاب
شبح
لي
كما أن الإطار السري الذي قد سيقت به الأحداث، على نحو متواتر
فيه قد أضحى
نوعاً من الموسيقى الداخلية في النص لاسيما وأنها منبعثة من
تكرار لفظة الشبح لمرات
عدة.
إن أي محاولة لـ"صياغة نحو خاص بالشعر تفرض نفسها وخلاف ما قد
يتصور فإن
إنجاز هذه المهمة لا يدخل في دائرة اهتمامنا ما نقصد إليه،
فلنكرر ذلك، هو صياغة
فرضية عامة صالحة لكل مستويات اللغة" ذلك أن الشعر تجاوز ومن
مجموعة التجاوزات
يمكن أن نصل إلى المعنى، وهذا ما أشار إليه ياكبسون عندما تحدث
بما يعرف عن اللغة
السينمائية (بالمونتاج) الذي يمكن أن نقول عنه أنه "نمط من
المونتاج الذي يقرن
اللقطات أو المتواليات بطريقة تولد في ذهن المشاهد أفكاراً لا
تستطيع هذه اللقطات
أو هذه المتواليات أن توحي بها من تلقاء نفسها" كما أن هذه
الأفكار تأتي متلاحقة
على نحو يصعب إدراكها، وعلى وفق ذلك يتولد الأثر الشعري
المتأتي من تلاحق الصور
الشعرية التي تقوم على إلغاء أدوات الربط اللغوية، وتوالي
الجمل من غير أن يربطها
رابط عقلي، هذه النماذج الشعرية تنطبق على نصوص معينة تتألف
فيها الرؤية الشعرية من
مجموعة الأحاسيس والخواطر والهواجس المبعثرة والمشتقة من الرؤى
الشعرية التي تلائم
مثل هذه الوسيلة.
ولعل السعي المضطرد للبحث عن القصيدة الموضوعية التي يكون لها
عوالمها المستقلة قد أدى إلى انغماس النصوص الشعرية في أجواء
ذاتية بحته اتسمت
بالغموض، فالشعر تعبير عن نوازع معينة والحداثة خرق لما هو
مألوف عنها وما بين
الخرق والتعبير تكمن الفجوة التعبيرية التي يعانيها المتلقي
إذا كان الباث، المنشئ
غير متمكن من أدواته أي أنه لم يفد من سمات الحداثة إفادة
كاملة أو أنه لم يعيها.
فضلاً عن كون النصوص الحداثوية نصوصاً ذات خطابات لغوية مغايرة
لما هو مألوف من حيث
الصياغة الفنية ومن حيث الصور والتشكيل الأمر الذي أفضى إلى
القضاء على كل تلك
القصائد المشاعية وإلى اتساع فضاء المجاوزة لاسيما بعد الخروج
عن المقولة السائدة
التي تربط الشعر بالعصر والتي كانت، غالباً، تجعل الشعر مجرد
عملية محاكاة للواقع
بمعطياته كلها.
لقد جعلت الحداثة النصوص الشعرية وعاءً زمنياً ينأى عن روح
العصر
ومقتضيات تلك الروح لأن الحداثة تمثل إتساعاً في المدلول
الزمني فضلاً عن كونها
تقدم من خلال نصوصها المطروحة الكشوفات أو لنقل الفتوحات في
ميدان مضامينها
وأشكالها تلك الفتوحات التي قادت إلى موت الأشكال الشعرية
المألوفة وإلى بعث
الأشكال التي لطالما كانت خامدة فضلاً عن خلخلة الصيغ
التعبيرية المطردة عند
الشعراء وانتهاك الحدود في العلاقات اللغوية القائمة بين الدال
والمدلول إلى جوار
حدوث حركة لنمو مطرد للهامش الشعري الذي أخذ يسعى قدماً نحو
المركز في محاولة
لتهشيمه.
وتجدر الإشارة إلى أن عملية تهميش المركز وزلزلته قد ترافق مع
الإحتفال
بعودة الهامشي والمنسي من اللغة التي أصبحت تمثل خلقاً جديداً،
إذ أنها إعادة خلق
وإنتاج العلاقات بين الوعي والعالم والأشياء لتكون عالمها
الخاص بها لاسيما وأنها،
أي اللغة، أصبحت تمثل وعاء للإنفعال والمعرفة فهي تتمتع بطاقات
متعددة تتمثل في
الصوت، الإيقاع، والإيماء، والدلالة فضلاً عما تتمتع به من بعد
رمزي وإشاري غالباً
ما يفيد منه الشاعر في صياغاته الشعرية.
كما أن الشاعر العربي الحديث يسعى إلى
بعث الطاقات الحسية والأبوية والعقلية للغته وذلك من خلال
آليات متعددة تجعل اللغة
ناطقة بذاتها من خلال منظومة إشارية دقيقة، غير قابلة للتفكيك،
أو لنقل أنها نظام
ترميزي يشير إلى مدلول خاص وذلك من خلال تغيب المعنى الإشاري
أو التصوري الذي يشير
إليه اللفظ لتحل محله المفردة المحملة بمعانٍ جزئية نابعة من
المحيط البلاغي أو
المعاني المتضمنة.
كما قد تعمل على تفجير المفردة اللغوية عن طريق علاقات
التناقض والتضاد والتجاوز والإنحراف الأسلوبي، وإرجاء الإشباع
الدلالي الذي يسعى
لإجهاض توقع القارئ لكسر دائرة تهويمه الوجداني وإبعاد هذا
القارئ عن النص بالقدر
الذي يتيح له إنتاجه مرة أخرى وإبقاءه يقظاً ومنتبهاً لتفجيرات
القصيدة الداخلية
العميقة والإشتغال على الحلم بوصفه نقيضاً لمحدودية الواقع
ورتابته الخانقة
وعلاقاته المألوفة، بل بالتعامل مع عناصره بوصفها جوهراً أعمق
لهذا الواقع وتجليات
لذاكرة جمعية متحشدة وبالغة حد التناحر على نحو ما نجده في
النص الشعري الآتي الذي
يحمل عنوان (صهيل) إذ يقول الشاعر:
في الغرف المظلمة الباردة
حيث سطور
الكتب
تقف على رؤوس أصابعها
كلما عطست كلمة
أعرف أن القصيدة
مصابة
بالتهابات
مزمنة
كلما تسوس لسان حرف
أشم رائحة مقبرة
كلما
تقدمت في النضوب
أرى السماء تنخفض
لتلتهم صهيلي
فالنص الشعري يمثل خلقاً
شعرياً يحمل صورة شعرية عن عوالم ليست شعرية الا في التفرد
الذي يتمتع به هذا النص
الشعري الحافل بالإنزياحات اللغوية المغلقة بالإيحاءات الدقيقة
التي تشف عن مظاهر
الإستلاب المسيطرة على عوالم الشاعر الداخلية والتي تركته
أسيرها، ولقد تمظهرت هذه
العوالم في النص من خلال الطاقة التخيلية التأملية للكلمة التي
أعطت القارئ بعداً
إسهامياً فيما يقرأ من النص.
إن هذا النص يمثل قراءة معمقة ووصفاً دقيقاً للنفس
المغتربة التي تعاني قسوة الألم والحنين. ومظاهر الحداثة تتمثل
في النص من خلال هذا
النمط من المعالجة الشعرية المجافية للأنساق البنائية
التقليدية فضلاً عن المزاوجة
بين كسر أفق توقع القارئ من جهة وبين جذب المتلقي أو القارئ
إلى هذا النص لاسيما
وأنه يشف عن بعض الملامح الذاتية التي تشير بها كلمات النص
التي جاءت باللغة
الدارجة المستخدمة نحو (عطست، الإلتهابات المزمنة – تسوس).
ولعل من المهم أن
نشير إلى أن هذا التضمين والإستخدام المجازي للمفردة يتيح
للشاعر أن يبدع في ما
ينظم، وأن يأتي بكل ما هو جديد في محاولة لكسر الرتابة التي
تطغى على لغة نصوص
شعرية أخرى. بمعنى أن الشاعر الحديث يستند إلى اللغة إستناداً
مطلقاً في أي إنتاج
شعري يكتب لاسيما وأنها أداة ثرة ومعبرة إلا أنها في الوقت
نفسه لا تتأتى لكل شاعر
أو كاتب لأنها ليست مطواعة إلا لمن سبر أغوارها وعرف مكامنها
فأخرجها من إطارها
القديم وألبسها ثوبها الجديد الذي أرادته الحداثة والذي تمثل
في الجمع بين عوالم
الذات الداخلية والعوامل اللغوية البحتة المتمثلة في قوانين
اللغة ذاتها على نحو ما
نجده في النص الآتي لعبد الرحمن طهمازي الذي يقول في قصيدة له
بعنوان "كتاب
مفتوح":
غبار على الماء، تنطلق اليابسة
لتطوي بنا الزهر، كنا نبايع ما يبتغيه
الغبار
ونفرح لما يصد الجدار
لماذا تقلب هذا الكتاب وتلك الجريدة ثم يميل
النهار
ولا تقرأ النهر حيث يخط الغبار
يجمع هذا النص الشعري بين مفردتي
(الماء
والغبار) بوصفهما مركز منطلق الأحداث، لاسيما وأن النص يحفل
بالتمظهرات
الطبيعية التي تتجلى واضحة فيه من خلال تكرار ألفاظها نحو
(ماء، غبار، زهر،
…)
لقد حاول الشاعر جاهداً أن يفيد من التناقضات في النص إذ ربط
الماء واليابسة
بوصفهما يمثلان نقطة التداخل، وهذا ما أسماه السرياليون
بالنقطة العليا وهي مرتبة
للجمع بين التناقضات نحو الموت والحياة مثلاً.
فالماء هو رمز للحياة وهو عنصر
طبيعي في حين أن الغبار يرمز للموت الذي يطغى على الحياة شيئاً
فشيئاً حتى يحيل
الوجود إلى عدم. فكأن الشاعر هنا قد وقف وقفة تأملية بإزاء
قضايا (الحياة، الموت
والوجود) أي أنه قد عالج القضية بطريقة تأملية فلسفية إلا أن
هذه النظرة قد جاءت
موشاة بطريقة تصويرية جميلة مسندة على اللغة من حيث الإنزياح
الذي نلمسه في قوله
(تنطلق
اليابسة) و (كنا نبايع ما يبتغيه الغبار). إن هذا الإنحراف
الذي نجده عند
الشاعر، إنما يمثل خروجاً على ذاته في الدرجة الأولى، ذلك أن
الغبار رمز للمعوق
الذي يعيق الشاعر ويطبق عليه أي أنه عقبة في طريقه في حين أن
الماء عنصر مهم ورمز
نفسي للتحرر من خلال الإشارة إلى التدفق والسريان.
وهكذا تعد اللغة الظاهرة
الأولى في كل عمل فني يستخدم الكلمة بوصفها أداة للتعبير. وهي
أول شيء يصادفنا. هي
النافذة التي من خلالها نطل ومن خلالها نتنسم، كما يقول عز
الدين اسماعيل، هذا
فضلاً عن كونها طاقة مجسمة من خلال الكلمات وما تحويه هذه
الكلمات التي هي لدى
الشاعر ليست مجرد ألفاظ صوتية ذات دلالات صوتية أو نحوية أو
معجمية، فاللغة الشعرية
وجود له كيان ويجب أن نعي جيداً أن لغة الشعر والأدب ليست مجرد
تسجيل للواقع بل هو
واسطة جوهرية قادرة على التوليد أكثر من مجرد عملية عكس
المعنى، وقد أدى هذا إلى
ظهور مفهوم العمل المستقل أو الفضاء اللفظي الخالي من
المستويات المرجعية حيث تكون
اللغة حرة في توظيف طاقاتها الموروثة فيها.
إن الشاعر الحديث يعاني اليوم من
جراء اللغة، ذلك أن قضية اللغة لم تعد تحل ببساطة، كما كانت من
قبل عن طريق تحصيل
ثروة كافية من ألفاظ المعجم الشعري القديم، وإنما صار الحل
الوحيد هو خلق معجم شعري
جديد يتناسب مع روح العصر الجديدة، إذ لم تعد الكلمة مجرد لفظة
صوتية لها دلالات أو
لها معان، وإنما صارت تمثل تجسيداً حياً للوجود، ومن ثم اتحدت
اللغة مع الوجود في
منظور الشاعر فلم تعد اللغة في تصور الشاعر المعاصر وسيلة أو
ترجمة للوجود أو
التجربة بل أضحت وسيلة لبعث الطاقات الحسية والرؤيوية والعقلية.
----------------------------------------------------------------
قائمة المصادر
1- بنية
اللغة الشعرية – جان كوهن – ترجمة محمود
الولي ومحمد العمري – دار توبقال للنشر – الدار البيضاء –
المغرب ط1
(1986).
2- تحليل
النص الشعري – محمد فتوح ط1 النادي الأدبي الثقافي في جدة
1999.
3- الحداثة
(1890 – 1930) مالكوم براديري وجيمس ماكفالن – ترجمة مؤيد حسن
فوزي دار المأمون للترجمة والنشر – بغداد 1987.
4- حدود
النص الأدبي دراسة في
التنظير والإبداع – صدوق نور الدين ط1 مطبعة النجاح الجديدة –
الدار البيضاء
–
المغرب 1984.
5- درجة
الصفر للكتابة – رولات بارت – ترجمة محمد براده – دار
الطليعة – بيروت ط1 1980.
6- ذكرى
الحاضر – عبد الرحمن طهمازي – دار الحرية
للطباعة – بغداد 1974.
7- شمال
مدار السرطان – عبد الرزاق الربيعي ط1 (ب.
م).
8- ظاهرة
الشعر العربي المعاصر في المغرب – مقاربة بنيوية تكوينية محمد
بنيس
–
الرباط ط2 1985.
9- قضايا
الشعرية – رومان ياكبسون – ترجمة محمد الولي ومبارك
حنون – دار توبقال للنشر – الدار البيضاء ط1 (1988).
10- المثقفون
في الحضارة
العربية محنة إبن حنبل ونكبة إبن رشد محمد عابد الجابري ط2
الناشر مركز دراسات
الوحدة العربية – لبنان 2000؟
11- مرايا
جديدة – عبد الجبار عباس – دار الرشيد
–
شركة المطابع النموذجية.
12- مناخ
العصر – رؤية نقدية – سمير سرحان أمين – مؤسسة
الإنتشار للنشر ط1 (1999).
13- نقد
استجابة القارئ من الشكلانية إلى ما بعد
البنيوية تحرير جين – ب – توميكنز حسن ناظم وعلي حاكم مراجعة
محمد الموسوي – المجلس
الأعلى للثقافة، طبع الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية
(1999).
14- اللاوعي
الثقافي ولغة الجسد والتواصل غير اللفظي في الذوات العربية علي
زيعور (ب.
م).
الدوريات
1- الحداثة
- السلطة - النص – كمال أبو ديب مجلة فصول
القاهرة مج 4 عدد 3 1984.
2- سؤال
اللغة ومغامرة التحديث – د. خالد الغريبي
–
مجلة أقلام العراق ع1 (1999).
3- قراءة
في ملامح الحداثة الشعرية عند شاعرين من
السبعينات أدورد الخراط – مجلة فصول مج4 عدد يوليو (سبتمبر).
الملامح الفكرية
للحداثة – خالدة سعيد